نصف حياة.. نصف علاج: مساحة "النجاة" تضيق على مرضى الكلى بغزة

صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي
صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- حلا أبو عيشة:

"لم تقتلها ضربات الاحتلال، لكن قد يقتلها الحصار (..) أخشى أنني لن أراها في ثوب التخرج كما حلمت" تقول سمر الخطيب ذلك وهي تتحدث عن ابنتها "رضوى" التي لم تتجاوز السادسة عشرة.

في عمر كان يفترض أن تنشغل فيه ابنتها بالمدرسة، والصديقات، وما سترتديه في يوم نجاحها في الثانوية، صارت تعدّ لابنتها جلسات غسيل الكلى، وتراقب الأدوية التي تنفد، وتحسب الأيام التي يمر فيها العلاج قبل أن يصبح الحصول عليه مستحيلًا.

تعاني رضوى من الفشل الكلوي، فيما تتقلص أمام عيني أمها الأشياء التي تحتاجها للبقاء على قيد الحياة: "المستلزمات الطبية شحيحة، الأدوية تتناقص، وأجهزة غسيل الكلى التي تعتمد عليها حياة مئات المرضى خرج عدد كبير منها عن الخدمة".

داخل الخيمة، لا تملك سميرة كثيرًا لتفعله حين يشتد الألم، وتخبرنا: "أرى ابنتي تتألم، وتتلوى داخل الخيمة من شدة الحر. ننام على فراشٍ مهترئ ونحارب وضعًا صحيًا صعبًا بسبب القوارض والحشرات"، مرفدةً بحسرة: "حتى مسكن المغص صار يباع بضعف ثمنه".

قبل الحرب، كانت ابنتها تخضع لأربع جلسات غسيل كلى أسبوعيًا. كان ذلك جزءًا ثابتًا من حياتها، مهما كان ثقيلًا، لكن الحرب لم تكتفِ بتغيير مكان النوم والطعام والدواء، بل وصلت إلى بروتوكولات العلاج أيضًا. تقول سمر: "بسبب نقص المعدات والأجهزة الناتج عن القصف الإسرائيلي المتكرر للمستشفيات، تقلصت الجلسات إلى جلستين أسبوعيًا، كما خُفضت مدة كل جلسة أحيانًا لنصف عدد الساعات المطلوب".

ومع استمرار الحصار، تعيش سمر خوفًا أكبر من أن يأتي اليوم الذي لا تجد فيه ابنتها فرصة لجلسةٍ أصلًا، مطالبةً بفتح المعابر وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية لمرضى الكلى وأصحاب الأمراض المزمنة والصعبة.

"رضوى" ليست وحدها في هذه الدائرة، إذ يقول المدير العام لوزارة الصحة في غزة، منير البرش لـ"البوابة 24": "إن الأزمة طالت مئات المرضى"، مشيرًا إلى أن أكثر من 1500 مريض فقدوا حياتهم رغم وجود تحويلات علاجية إلى الخارج، فيما فقد القطاع 50% من مرضى الفشل الكلوي نتيجة نقص المستلزمات الطبية، وعلى رأسها مادة البيكربونات التي لا يزال الاحتلال يمنع إدخالها حتى الآن.

في بيت آخر، تعيش آية قشطة (23 عامًا)، قصةً مع الفشل الكلوي بشكلٍ مختلف، إذ فقدت والدتها بسبب السرطان قبل الحرب بأسبوع تقريبًا، ثم بقي والدها، المصاب بالسكري من النوع الثاني منذ سنوات، يواجه الحرب معها بجسد أنهكه المرض.

تقول: "خلال الحرب توقف دخول الإنسولين لفترة، وعشنا ظروف المجاعة، وتدهورت حالته الصحية بشكل كبير. وفي إحدى الليالي اشتدت عليه الآلام، وعندما نقلناه إلى المستشفى أخبرنا الأطباء أن وظائف الكلى تدهورت وأصبح بحاجة إلى جلسات غسيل كلى".

كان المرض هذه المرة نتيجة تراكمات أخرى صنعتها الحرب: دواء لم يصل، وطعام لم يكن متوفرًا، وجسد لم يعد قادرًا على الاحتمال، "لكن الوصول إلى جلسة الغسيل نفسها صار معركة" تستدرك.

وتضيف: "لم يعد والدي قادرًا على الوصول إلى المستشفى سيرًا على الأقدام، كما أصبحت المواصلات شديدة الصعوبة ومرتفعة التكلفة. وبسبب الضائقة المالية التي نعيشها، بالكاد أستطيع تأمين أجرة الطريق إلى المستشفى".

وتكمل: "انخفض عدد جلسات الغسيل من ثلاث إلى جلستين أسبوعيًا، وتقلصت مدة الجلسة من أربع ساعات إلى ثلاث، ما يزيد من معاناته يومًا بعد يوم".

وفي المستشفيات، تتجسد الأزمة في أرقام أخرى، حيث خرج نحو 50% من أجهزة غسيل الكلى عن الخدمة، ولم يعد يعمل في مستشفى الشفاء على سبيل المثال سوى 25 جهازًا من أصل 50، ما يهدد حياة مئات المرضى الذين يعتمدون على الغسيل الكلوي للبقاء على قيد الحياة.

ولا تنتهي قائمة النواقص عند أجهزة الغسيل، فالمستشفيات تعاني أيضًا نقصًا حادًا في هرمون "الريكورمون"، المستخدم لعلاج فقر الدم لدى مرضى الفشل الكلوي، ما يزيد من تدهور أوضاعهم الصحية.

وفي ظل هذا الواقع، يجدد البرش مطالبته بفتح المعابر والسماح بإدخال الأدوية والمستهلكات الطبية والأجهزة اللازمة، لضمان استمرار علاج مرضى الكلى وإنقاذ حياتهم.

حتى المخزون الذي بقي داخل القطاع لم يكن بمنأى عن الحرب، ففي الحادي والثلاثين من يوليو/تموز 2026م، استهدف الاحتلال الإسرائيلي مستشفى شهداء الأقصى، أحد أهم مراكز التخزين الاستراتيجية لوزارة الصحة في قطاع غزة، وبحكم موقعه في المنطقة الوسطى، كان المستشفى نقطة رئيسية لتوزيع الإمدادات الطبية على مختلف محافظات القطاع.

أدى القصف إلى تدمير مخزنين من أصل أربعة مستودعات كانت تضم جزءًا كبيرًا من المخزون الدوائي والمستهلكات الطبية التابعة للوزارة.

وفي الحقيقة، لم يكن ما احترق أو دُمر مجرد صناديق دواء، بل كان مخزونًا لمرضى ينتظرون جرعاتهم التالية، ومستلزمات لعمليات مؤجلة، وأدوية تحتاجها أجساد لا تستطيع تحمل المزيد من الانتظار.

ولأن المرض لا يتوقف حين تنفد أدوية المستشفيات، اضطر كثير من المرضى إلى البحث عن علاجاتهم في الصيدليات والسوق السوداء، حيث ارتفعت الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر في قطاع غزة.

وبحسب رصد لأسعار متداولة خلال الفترة الأخيرة، تراوح سعر قلم الإنسولين، من أنواع "لانتوس" و"نوفورابيد" و"ليفيمير"، ما بين 140 و340 شيكلًا، بينما تراوح سعر عبوة "الميتفورمين" بين 50 و140 شيكلًا، وأدوية "جليكلازايد" أو "جليميبرايد" بين 70 و170 شيكلًا.

ووصل سعر العلاج الشهري "لإنتيكافير" إلى 510 شواكل في بعض الأحيان، و"تينوفوفير" إلى 410 .

أما مرضى الفشل الكلوي، فتراوح سعر حقنة "الإريثروبويتين" (EPO) بين 100 و270 شيكلًا، وعبوة "السيفيلامير" بين 240 و610 شيكلًا، فيما بلغ سعر مكملات الكالسيوم وفيتامين (D) النشط قيمة تتراوح بين 50 و170 شيكلًا.

وفي هذه السوق القاسية، لا يعني امتلاك المال بالضرورة العثور على الدواء؛ فالكثير من الأصناف الأساسية مفقود تمامًا، بينما ما يتوفر منها يباع بأسعار لا تستطيع غالبية الأسر تحملها.

تشير آية إلى أن عائلتها بالكاد تستطيع تأمين أجرة الطريق إلى المستشفى، بينما تتطلب رحلة علاج والدها أكثر من جلسة غسيل أسبوعية.

وفي الجهة الأخرى، تعمل أسرة سمر بكل ما تستطيع لتأمين دواء بسيط لابنتها، فيما تخشى الأم أن يأتي يوم لا تجد فيه ما هو أهم من ذلك: جلسة الغسيل نفسها.

وتصف المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أماني النعوق، الوضع الصحي في قطاع غزة بأنه يعمل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحت ضغوط هائلة، بعد أكثر من عامين من القتال، قائلةً: "المستشفيات التي لا تزال تعمل تواجه نقصًا في الطاقة والإمدادات الطبية والوقود والمعدات، وهي معرضة لخطر الانهيار في ظل تزايد الاحتياجات".

وتضيف في حديثها لـ"البوابة 24": "الكثير من السكان لا يستطيعون الحصول على الرعاية الصحية التي يحتاجونها، فيما ينتظر آلاف المرضى الحصول على استشارة طبية أو إجلاء طبي".

أما مرضى الفشل الكلوي، فلا يملكون رفاهية الانتظار الطويل، فالكلى التي تعطلت لا تستطيع أن تؤجل عملها إلى أن تنتهي الحرب، والجسم الذي يعتمد على جهاز الغسيل لا يستطيع أن ينتظر وصول الوقود أو الدواء أو قطعة الغيار.

لهذا، حين تقلصت جلسة ابنة سمر من أربع إلى اثنتين، لم يكن الرقم مجرد تعديل في جدول المستشفى. كان اختصارًا لشيء أكبر: وقت أقل للعلاج، ومساحة أضيق للنجاة، وخوف أكبر من الغد.

البوابة 24