مع اقتراب الحديث عن ترتيبات ما بعد العمليات العسكرية الرئيسية، بدأت تتكشف ملامح تصور إسرائيلي للأمن في المنطقة، يقوم على الاحتفاظ بمناطق عازلة في غزة ولبنان وسوريا لسنوات طويلة، إلى جانب استمرار تنفيذ هجمات عسكرية بصورة دورية لمنع خصومها من استعادة قدراتهم.
وبحسب ما نقلته صحيفة "جيروزاليم بوست" عن مسؤولين دفاعيين إسرائيليين حاليين وسابقين، فإن هناك توافقًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على أن المناطق الأمنية ستظل جزءًا أساسيًا من استراتيجية تل أبيب حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية.
من يحكم القطاع بعد الحرب؟
في ملف غزة، تشير التصورات التي نقلتها الصحيفة إلى أن غالبية كبار المسؤولين الدفاعيين يؤيدون انتقال إدارة القطاع من حركة حماس إلى السلطة الفلسطينية أو إلى لجنة وطنية تتولى إدارة غزة، ويرى هؤلاء المسؤولون أن منح السلطة الفلسطينية أو أي إطار مدني فلسطيني دورًا أكبر قد يكون الخيار الأكثر واقعية، حتى في حال استغرق نزع سلاح حماس فترة طويلة.
في المقابل، لا يبدو أن المسؤولين الإسرائيليين يتوقعون اختفاء حماس بصورة كاملة من المشهد، إذ يشككون في إمكانية إزاحتها نهائيًا كقوة عسكرية رئيسية في القطاع.
منطقة عازلة لسنوات
وفيما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي من غزة، تتباين التقديرات داخل المؤسسة الدفاعية، ففي حين ترغب أقلية في الاحتفاظ بأكبر مساحة ممكنة من الأراضي التي يسيطر عليها الجيش، تميل الأغلبية إلى الانسحاب إلى منطقة أمنية أصغر، مع الإبقاء على مواقع استراتيجية لفترة طويلة.
وتبرز منطقة الشجاعية باعتبارها إحدى المناطق التي يتطلب تأمينها توغلًا إسرائيليًا عميقًا، بينما قد تكون المنطقة الأمنية المطلوبة في رفح أصغر من المساحات التي يسيطر عليها الجيش حاليًا، أما شمال غزة، فتتجه بعض التصورات إلى الإبقاء على مناطق مرتفعة وتلال استراتيجية تحت السيطرة الإسرائيلية، باعتبارها مواقع ضرورية لإنشاء منطقة عازلة فعالة.
خاص | خطة #غزة في "عنق الزجاجة".. خلاف على " تنفيذ المراحل" ودور القوة الدولية
— Erem News - إرم نيوز (@EremNews) August 12, 2026
التفاصيل | https://t.co/4BTvR0TCNx#إرم_نيوز #إسرائيل pic.twitter.com/lUzzdubRh0
ماذا لو قدمت حماس تنازلات؟
وتشير التصورات الإسرائيلية إلى إمكانية تنفيذ انسحابات جزئية في حال قدمت حماس تنازلات، لكن مع شرط أساسي يتمثل في الحفاظ على بعض المناطق المرتفعة والاستراتيجية ضمن المنطقة العازلة لسنوات.
ويرتبط هذا الموقف وفق التصريحات المنقولة، بتقييم إسرائيلي يعتبر أن نزع السلاح الجزئي أو إجراء تغييرات سياسية في غزة لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير جذري في موقف المجتمع الغزي تجاه إسرائيل.
لبنان.. لا احتلال واسع ولكن هجمات مستمرة
أما في لبنان، فلا ترى غالبية المسؤولين الدفاعيين الإسرائيليين ضرورة للاحتفاظ بشريط بعمق 10 كيلومترات أو أكثر، لكن ذلك لا يعني ثقة كاملة بقدرة الجيش اللبناني على احتواء حزب الله، وبحسب التصورات المطروحة، يمكن أن تنسحب إسرائيل جزئيًا إلى منطقة أمنية أصغر، مع استمرار مراقبة التطورات على الجانب اللبناني.
وتختلف التقديرات داخل المؤسسة الإسرائيلية بشأن قدرة الانخراط الدبلوماسي بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل على تقليص التهديد الذي يشكله حزب الله، إذ يرى بعض المسؤولين أن التعاون الرسمي قد يخفف المخاطر، بينما يشكك آخرون في تأثيره.
الحرب بين الحروب
ويبدو أن أحد أبرز عناصر الاستراتيجية الإسرائيلية لما بعد الحرب هو الإبقاء على سياسة ما يعرف بـ"الحرب بين الحروب"، والتي تقوم على تنفيذ ضربات عسكرية متفرقة ضد خصوم إسرائيل عندما ترى المؤسسة الأمنية أن هناك خطرًا من تطوير قدرات يمكن أن تهددها مستقبلًا.
ويتفق المسؤولون، بحسب التقرير، على أهمية منع الخصوم من إعادة بناء قدراتهم الاستراتيجية، لكن الخلاف يدور حول حجم هذه العمليات وتوقيتها، ويرى بعض المسؤولين أن وقف الهجمات لفترات طويلة قد يجعل استئنافها لاحقًا أكثر صعوبة، بينما يحذر آخرون من أن استمرارها قد يؤدي إلى خسارة مزيد من الدعم الأمريكي والدولي.
سوريا.. السيناريو الأكثر تشددًا
وفي سوريا، تبدو المواقف الإسرائيلية أكثر تشددًا، إذ تقاوم المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية أي انسحاب واسع من المناطق التي تسيطر عليها قواتها، رغم الضغوط الأمريكية، ويشير التقرير إلى أن تل أبيب تنظر إلى الوجود العسكري في سوريا باعتباره جزءًا من ترتيباتها الأمنية طويلة الأمد، ما يجعل الانسحاب الكامل أو الواسع خيارًا غير مطروح بسهولة داخل المؤسسة الدفاعية.
وتأتي هذه التقديرات بالتزامن مع تقارير إسرائيلية تتحدث عن دور تركي محتمل في إعادة بناء أجزاء مما دمرته إسرائيل خلال عملياتها في ديسمبر 2024، عقب سقوط نظام بشار الأسد.
استراتيجية واحدة بثلاث ساحات
وتكشف التصورات الإسرائيلية عن استراتيجية تمتد إلى أكثر من جبهة، تقوم على الاحتفاظ بمناطق أمنية في غزة ولبنان وسوريا، مع اختلاف طبيعة وحجم الوجود العسكري في كل ساحة.
وبينما قد تقبل تل أبيب بانسحابات جزئية في غزة ولبنان، تبدو أكثر تمسكًا بمواقعها في سوريا، في وقت تستعد فيه المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية لمواصلة تنفيذ ضربات عسكرية متى رأت أنها ضرورية لمنع خصومها من استعادة قدراتهم.
وبذلك، لا يبدو أن انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية يعني بالضرورة نهاية المواجهة، بل قد يكون بداية لمرحلة جديدة من الوجود العسكري والضربات المتقطعة والمناطق العازلة الممتدة لسنوات.
