غزة/ البوابة 24- ريم سويسي:
في خيمة نزحت إليها مع أهلها، تحاول روان السوسي، 31 عاماً، أن تعيد ترتيب حياتها التي بعثرتها الحرب. لم يبقَ لها من مصدر رزقها سوى ذكريات محلها الذي دمره القصف، فيما بقيت طفلتها «لما» رفيقتها في رحلة النزوح والقلق.
لكن حكاية روان مع الطلاق لم تبدأ بالحرب. قبل أن تفقد مصدر رزقها، واجهت داخل أسرتها نظرة ربطت إمكانية زواجها من جديد بالتخلي عن طفلتها.
تقول روان: «طلّقني زوجي، وهو ابن عمي، قبل الحرب بعامين وكنت في شهري السابع، أكملت شهور حملي لدى بيت عائلتي وهناك رزقني الله بطفلتي لما، طلب مني والدي مراراً وتكراراً أن أجعل لما تعيش في بيت والدها طمعاً في تزويجي لكنني رفضت الفكرة».
لم تقبل روان أن تكون طفلتها ثمناً لحياة جديدة، واختارت أن تبقى معها. تقول: «كنت أحصل على نفقة لي ولطفلتي لما، بما يعادل 400 شيقل شهرياً، وكنت أعمل كوافيرة فأنفق على نفسي وعلى طفلتي. لكن ما إن حلت علينا الحرب حتى انقلب كل شيء رأساً على عقب؛ فقد خسرت المحل الخاص بي في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة بسبب قصف مسجد مجاور، وكان المحل قد كلفني عشرة آلاف دولار».
تقول: «حين خسرت مصدر رزقي ضاق بي الحال فتواصلت مع طليقي كي يرسل لي نفقتي ونفقة لما لكنه تحجج بظروف الحرب وقال لي بالحرف الواحد "دبري حالك"، قبل الحرب، إذا تأخر في دفع نفقتي كمطلقة أو نفقة لما كنت أتوجه للمحكمة التي كانت تجبره على الدفع أما اليوم فلا محاكم ولا جهات تنفيذ تفيد المطلقة للأسف».
لكن روان ليست وحدها في مواجهة تبعات الطلاق؛ ففي خيمة أخرى وسط قطاع غزة، تعيش ناريمان سعدو، 40 عاماً، وجعاً مختلفاً بعدما فصلتها الحرب عن بناتها الثلاث.
تجلس ناريمان في خيمة أهلها بعد نزوحهم إلى مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، ولا تكاد عيناها تفارقان صور بناتها الثلاث؛ علا ذات الخمس سنوات، وجنين ذات السبع سنوات، ورائدة ذات الاثني عشر عاماً.
تقول ناريمان، وهي من سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة: «أنا مطلقة منذ أربع سنوات عانيت الكثير حتى حصلت على الطلاق وكان الثمن أن أتنازل عن بناتي (الصغيرة علا خمس سنوات والوسطى جنين سبع سنوات والكبرى رائدة اثنتا عشرة عاماً)».
ومع الحرب، نزح طليقها بهن دون أن تعرف مكان وجودهن، لتتحول مخاوفها على سلامتهن إلى معاناة يومية.
تقول بحرقة: «كانت الناس تعاني حرباً خارجية لكني كنت أعاني حرباً تأكل قلبي وتنهش أمومتي فقد نزح طليقي بهن دون أن يخبرني عن المكان، حاولت التواصل آلاف المرات لكن كان في كل مرة يغلق هاتفه في وجهي».
وتضيف: «في كل مرة كان يتم فيها قصف مكان ما كنت أموت ألف مرة وأنا أشعر بانقباض قلبي على فراقهن».
وتختم حديثها بالقول: «لقد أضافت الحرب على معاناتنا في ظل مجتمع ذكوري معاناة جديدة تتلخص في عدم توفر آليات قانونية للحصول على النفقة في ظل تعطل المحاكم الشرعية في غزة بسبب الحرب».
أما هديل، وهو اسم مستعار لشابة مصرية تبلغ 23 عاماً، فتمكنت بعد بداية الحرب من الحصول على تنسيق للخروج من غزة إلى مصر برفقة طفليها، لكن يوم السفر حمل لها مفاجأة حالت دون مغادرتهما.
تقول: «أنا مصرية من جهة أمي، حصلت على الطلاق قبل الحرب بأسبوعين، وبقيت في غزة من أجل طفليّ (أيهم 4 سنوات وعلاء سبع سنوات) بعد الحرب بأربعة شهور قررت الخروج من غزة بصحبة أطفالي فطلب مني إدارة المعبر موافقة والدهم».
تقول: «يوم السفر توجهت أنا وطفلاي إلى معبر رفح وهناك كاد أن يُغمي عليّ حين تفاجأت بعدم وجود أسماء طفلاي بين المسافرين وحين توجهت لموظف المعبر أخبرني أن هناك رفضاَ من والد الأطفال لمغادرتهم غزة وأنني بإمكاني السفر بدونهم وهنا كنت بين خيارين أحلاهما مر أن أترك فلذات كبدي أو أنجو بنفسي لكنني قررت البقاء في غزة مع طفلاي».
وتختم حديثها: «ها أنا أقوم برعاية طفلاي وحدي دون معيل أو سند خاصة أن أبي وأمي متوفيان منذ فترة».
ولا تقتصر حالات الطلاق على قصص النساء الثلاث؛ فبحسب أرقام أعلنها رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي الشيخ د. حسن الجوجو خلال لقاء نظمته صحيفة «فلسطين» في 7 مايو/أيار 2026، بلغ عدد حالات الطلاق المسجلة منذ بداية الحرب وحتى 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، 4819 حالة.
يرى نقيب الأخصائيين الاجتماعيين حسام جبر أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالطلاق لا تزال حاضرة في المجتمع، وإن كانت الحرب قد غطتها مؤقتاً تحت وطأة الموت والدمار والنزوح.
يقول: «للأسف الشديد وحتى وقتنا الحالي فإن وصمة المطلقة لا تزال مترسبة في عقولنا كمجتمع عربي شرقي وفي نفسية المطلقة، نتيجة لهذه النظرة، إلا أن حالة الموت والدمار والنزوح جعلت المجتمع يغض النظر عن هذه الوصمة مؤقتاً».
ويضيف أن تأثير الوصمة يختلف من امرأة إلى أخرى، وأن وجود الأطفال خلال النزوح يزيد العبء عليها، إذ تصبح مسؤولة عن حماية نفسها وأطفالها في آن واحد.
وفي ظل تعثر عمل مؤسسات العدالة، تحاول مؤسسات غير حكومية سد جزء من الفراغ، لا سيما في ما يتعلق بالدعم النفسي والاجتماعي والتمكين الاقتصادي.
تقول هويدة الدريملي، مشرف إدارة حالة في جمعية وفاق لرعاية الأم والطفل: «لم يتبق للمطلقة سند سوى نفسها عليها أن تبقى مُمكَّنة نفسيا واجتماعيا وقانونيا وإلا فإنه من الصعب عليها مواجهة المجتمع لذلك المؤسسات من بداية الحرب حتى الآن أغلب مشاريعنا تعتمد على التمكين الاقتصادي».
وتشير الدريملي إلى أن تعثر عمل المحاكم انعكس أيضاً على طريقة إنهاء بعض الزيجات، قائلة: «أغلب حالات الطلاق تتم حالياً مقابل الإبراء العام في ظل تعثر عمل المحاكم، وهذه كارثة اجتماعية».
وتوضح أن المؤسسة تعمل مع المطلقات على أكثر من مستوى، من بينها الجانب النفسي والاجتماعي والأسري.
وتكمل حديثها بالقول: «نعمل مع المطلقة على عدة محاور التمكين النفسي أولاً والتمكين الاجتماعي أيضاً بالإضافة إلى ضمان دعم الأسرة لها وفي الحرب تضاعفت معاناة المطلقة خاصة في حال وجود أطفال لأن أسرتها تتعامل مع أطفالها على أنهم غرباء ليس مطلوباً منهم».
ولا تقتصر الضغوط التي تتعرض لها المطلقة على النظرة الاجتماعية؛ إذ تشير الدريملي إلى تعرض بعض النساء للاستغلال داخل دوائرهن الأسرية.
وتشير: «حالياً يتم استغلال المطلقة من دائرتها الأسرية مثل الاستفادة من جرة الغاز أو بعض الكوبونات الإغاثية التي تحصل عليها، نقوم بحملات توعية تضمن حقوق هذه المطلقة أسريا».
وتصف الدريملي أحد أخطر آثار الوصمة بأنه انسحاب المطلقة من محيطها الاجتماعي وفقدانها الثقة بمن حولها.
وتقول: «ازدادت عزلة المطلقة في الحرب بما يسمى الانسحاب الاجتماعي لأنها أصبحت فاقدة الثقة في المجتمع والأهل والرجال ونتيجة عدم تلقي الاهتمام المطلوب، نقوم بورشات توعوية للعلاج النفسي والاجتماعي وخاصة منعا لعملية استغلالها تحت عنوان المساعدة نعمل على بناء ثقتها بنفسها من أجل تقليل معاناتها النفسية والعاطفية».
وتضيف أن الحرب شهدت ارتفاعاً في حالات الطلاق، مع وجود حالات بين صغيرات السن وطلاق قبل الدخول، في وقت لا تحصل فيه كثير من النساء على حقوقهن بسبب تعثر عمل المحاكم.
وتختم: «ازدادت نسبة الطلاق كثيراً في الحرب مقارنة مع ما قبل الحرب والأدهى أن هناك فئة كبيرة منهن صغيرات السن ونسبة كبيرة من طلاق ما قبل الدخول والأغلب لا يحصلن على حقوقهن في ظل غياب عمل المحاكم».
ولا تتوقف آثار الحرب على الجانب الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ انعكست أيضاً على قدرة النساء على متابعة حقوقهن القانونية، في ظل تعثر عمل المحاكم وصعوبة تنفيذ الأحكام، خصوصاً في قضايا النفقة والحضانة.
يقول المحامي حسام الوادية: «تعمل المحاكم في غزة بالحد الأدنى بسبب الحرب مثلاً كافة مواضيع الطلاق لها سقف محدد في التعاطي معها من قبل المحكمة أي أنها تنظر لعدد محدود من هذه القضايا كما أنه لا يوجد تنفيذ للأحكام التي تتحصل عليها النساء».
ويضيف: «بعض القضايا تحل عبر ما يسمى قسم الإرشاد الاسري من أجل التخفيف من كم القضايا التي سترفع في المحكمة».
ويختم الوادية: «النفقة بكل اشكالها متوقف التعامل فيها لأنها تعتمد على التنفيذ مما ينعكس سلبا على نفسية النساء ومتابعة حقوقهن».
لكن الحرب، رغم كل ما حملته من موت ودمار ونزوح، لم تقتلع الوصمة القديمة من حياة المطلقة؛ ربما أخفتها لبعض الوقت تحت ركام الكارثة، لكنها لم تُنهِ حضورها.
فبين روان التي طُلب منها أن تترك طفلتها طمعاً في زواج جديد، وناريمان التي تنظر إلى صور بناتها الثلاث ولا تعرف متى تلتقي بهن، وهديل التي اختارت البقاء مع طفليها بعدما وجدت نفسها بلا سند، تبدو الوصمة أقل صخباً من القصف، لكنها لا تزال حاضرة في حياة نساء يحاولن النجاة من حرب خارجية، ومن حرب أخرى لا تُرى بسهولة.
