تدخل خطة وقف الصراع في قطاع غزة مرحلة شديدة الحساسية، بعدما أصبح تنفيذ بنود "خريطة الطريق" مرتبطًا بتطورات سياسية داخل إسرائيل وتحركات أمريكية ومصرية متسارعة، وبينما أبدت حركة حماس موافقة على الخطة التي تتضمن ترتيبات لنزع سلاح الفصائل ونقل إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية من التكنوقراط، لا تزال الحكومة الإسرائيلية متحفظة على تنفيذها في التوقيت الحالي.
وفي ظل هذا التعقيد، يتحرك وفد أمريكي يضم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير بين إسرائيل ومصر، في محاولة للحفاظ على الاتفاق ومنع انهياره قبل أن تتوافر الظروف السياسية المناسبة لتنفيذه.
لماذا تحرك الوفد الأمريكي الآن؟
بحسب مصادر دبلوماسية، يحمل الوفد خلال جولته أفكارًا تستهدف تهدئة التصعيد والحفاظ على الحد الأدنى من التفاهمات القائمة، بدلًا من الدخول في مواجهة مباشرة حول جميع تفاصيل الخطة في الوقت الراهن.
ومن المقرر أن يجري الوفد لقاءات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعدد من المسؤولين الإسرائيليين، قبل الانتقال إلى مصر للتباحث مع الوسطاء بشأن مستقبل الاتفاق وما يمكن اتخاذه لمنع تدهور الأوضاع في القطاع.
وتنظر الإدارة الأمريكية إلى الخطة باعتبارها خطوة محورية ضمن رؤية الرئيس دونالد ترمب لغزة، خصوصًا أنها تتضمن مسارين أساسيين: نزع سلاح الفصائل ونقل إدارة القطاع إلى لجنة تكنوقراط، بما يمهد لاحقًا لعملية إعادة الإعمار.
لقاء خليل الحية في مصر يفتح بابًا جديدًا
في الوقت نفسه، تحركت حماس عبر قنواتها السياسية في مصر، حيث التقى وفد برئاسة خليل الحية رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد في مدينة العلمين، وتناول اللقاء سبل الدفع نحو تنفيذ الاتفاق، في وقت تسعى فيه الحركة إلى الحفاظ على التفاهمات وعدم السماح للتصعيد العسكري بإفشال المسار السياسي.
وتقول مصادر إن حماس تأمل في الوصول إلى تقدم يدفع إسرائيل إلى قبول "خريطة الطريق"، مع إبداء الحركة تفاؤلًا حذرًا بشأن إمكانية حدوث اختراق خلال المرحلة المقبلة.
الانتخابات الإسرائيلية العقدة الأبرز
تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقبلة واحدة من أكثر العقبات تعقيدًا أمام تنفيذ الخطة، إذ تشير مصادر دبلوماسية إلى أن الرفض الإسرائيلي يرتبط بدرجة كبيرة بالحسابات السياسية الداخلية، وتتضمن الخطة انسحابات إسرائيلية تدريجية من مناطق داخل القطاع بالتزامن مع ترتيبات تتعلق بتسليم السلاح ونقل الإدارة، وهي خطوات قد تضع الحكومة الإسرائيلية أمام ضغوط سياسية كبيرة خلال فترة الانتخابات.
كما يرى مراقبون إسرائيليون أن نتنياهو يواجه حسابات انتخابية دقيقة، خصوصًا أن خصومه السياسيين يحمّلونه مسؤولية الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023، ما يجعل أي تنازل أو انسحاب جديد ملفًا قابلًا للاستغلال ضده.
واشنطن بين ضغط التهدئة وانتظار الانتخابات
رغم تمسك الإدارة الأمريكية بالخطة، فإن التحركات الحالية تبدو أقرب إلى محاولة الحفاظ عليها من الانهيار بدلًا من فرض تنفيذ شامل وفوري لجميع بنودها.
وتسعى واشنطن، وفق المصادر، إلى خفض مستوى التصعيد وتقليص الهجمات الإسرائيلية، بما يضمن بقاء الظروف السياسية والميدانية مواتية لاستكمال الاتفاق بعد الانتخابات وتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وهذا يعني أن المرحلة الحالية قد تشهد خطوات تدريجية وهادئة، هدفها الأساسي إبقاء مسار الاتفاق حيًا إلى أن تتغير المعادلة السياسية داخل إسرائيل.
ماذا تتضمن خريطة الطريق بشأن سلاح الفصائل؟
تتضمن الخطة ترتيبات واسعة بشأن مستقبل السلاح داخل قطاع غزة، تبدأ بحصر الأسلحة وتسليمها إلى اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، وهي لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين جرى تشكيلها في إطار الخطة.
وتشمل عملية التسليم أنواعًا مختلفة من الأسلحة والبنية العسكرية، من الأنفاق وورش التصنيع والمخازن إلى الصواريخ والقاذفات، بينما يُترك السلاح الفردي وفق ترتيبات محددة تتعلق بالحماية الشخصية والقوانين الفلسطينية، وبعد جمع الأسلحة، تشير الترتيبات إلى التعامل معها وصولًا إلى إتلافها، بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المعنية.
انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل نزع السلاح
لا تنص الخطة على تنفيذ الانسحاب ونزع السلاح دفعة واحدة، وإنما تقوم على مراحل متتابعة، بحيث تتم العملية منطقة تلو الأخرى، مع وجود آلية للمتابعة والتحقق من تنفيذ البنود، كما تتضمن الترتيبات معالجة بعض الملفات الإدارية والمالية، ومن بينها توفير مستحقات الموظفين الذين قد يخرجون من الإدارة الحكومية السابقة في القطاع.

وتقول المصادر إن موافقة حماس على هذه الترتيبات جاءت من منطلق اعتبارها طريقًا يمكن أن يقود في النهاية إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.
هل ينجح الوسطاء في إبقاء الاتفاق حيًا؟
تبدو المهمة الحالية للوسطاء أكثر ارتباطًا بمنع انهيار الاتفاق من تحقيق تسوية نهائية وفورية، وتشير تقديرات إلى أن وفد "مجلس السلام" قد يسعى إلى تفاهمات غير معلنة تسمح بتمرير بعض الخطوات الضرورية، وتخفيف الضغط العسكري، والحفاظ على الإنجازات التي تحققت خلال المفاوضات، إلى حين تهيئة الظروف لتطبيق الخطة بصورة أوسع.
ومن المتوقع كذلك استمرار الاتصالات بين الوسطاء وحماس في مصر، مع إمكانية عقد لقاءات مباشرة بين ممثلي الحركة وأعضاء من "مجلس السلام" لبحث كيفية الحفاظ على أجواء التهدئة.
مخاوف فلسطينية من فصل غزة عن الضفة
ورغم أهمية ترتيبات المرحلة الحالية، يبرز داخل الأوساط الفلسطينية قلق آخر يتعلق بمستقبل العلاقة بين قطاع غزة والضفة الغربية، ويخشى بعض المسؤولين والمراقبين من أن يؤدي تطبيق جزء من الخطة فقط، مثل نقل إدارة القطاع إلى لجنة تكنوقراط ونزع سلاح الفصائل، إلى تكريس واقع سياسي منفصل عن السلطة الفلسطينية في الضفة.
وتزداد هذه المخاوف مع احتمال استمرار الإدارة المحلية في غزة لفترة طويلة، بما قد يعرقل الانتقال لاحقًا إلى صيغة سياسية فلسطينية موحدة.
المرحلة المقبلة.. اختبار حقيقي لخطة غزة
تقف "خريطة الطريق" الآن أمام اختبار بالغ الصعوبة؛ فحماس أبدت استعدادًا للمضي في الخطة، بينما ترتبط الموافقة الإسرائيلية بحسابات انتخابية وسياسية معقدة، في حين تحاول واشنطن والقاهرة الحفاظ على الاتفاق من الانهيار.
وبين التحرك الأمريكي والاتصالات المصرية والمباحثات مع حماس، يبدو أن الهدف الآني هو إبقاء الباب مفتوحًا أمام التنفيذ، وتقليل التصعيد، وانتظار اللحظة السياسية التي قد تسمح ببدء تطبيق الخطة بصورة فعلية.
