خرائط من ركام: كيف يرسم أطفال غزة جغرافيتهم الجديدة؟

صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- سندس محمدين

"لدينا خيمة، نصبناها في أماكن عديدة؛ مرة في دير البلح، ومرة في مواصي خانيونس، وصارت مجزرة حرقت خيمة جيراننا، ومرة في مخيم البريج، وأخيرًا في غزة، في منطقة المقوسي، وحولنا الكثير من الدمار". هكذا يصف مؤيد، الطفل ابن السنوات الست، المكان الذي يعرفه الآن.

قبل ذلك، كان لشقيقه هيثم، 15 عامًا، عنوان آخر في الذاكرة: بيت من ثلاثة طوابق في شارع بغداد، شرقي الشجاعية، كان يسكنه مع عمه وأسرته وجدته وجده، بجوار مسجد السيد عثمان، وسط سوق الخضراوات، وبين وصف الشقيقين مسافة الحرب كلها؛ أحدهما يتذكر البيت والحي، والآخر تكاد ذاكرته تبدأ من الخيمة.

كان مؤيد في الثالثة من عمره حين بدأت الحرب، ولم يكن قد بلغ العمر الذي تتثبت فيه خرائط الطفولة في الذاكرة كما تتثبت لدى شقيقه الأكبر، تقول والدتهما مها حبيب إنه لا يتذكر أنه عاش في منزل، ولا يعرف ملامح الحي الذي أمضى فيه سنواته الأولى؛ كأن الحرب لم تقتلع البيت من مكانه فقط، وإنما أبادت ذاكرته أيضًا.

في قطاع غزة، صار الأطفال يصفون طرقاتهم وأماكن عيشهم: "بعد خيمة فلان"، "جنب المصلى"، "عند نقطة المياه"، "بعد الركام"، عبارات ربّما تبدو بسيطة، لكنها تكشف مدينة أعيد ترتيبها داخل عقول أطفالها، المدينة التي كانت تُعرف بأشجارها ودكاكينها ومساجدها، صارت تُعرف أحيانًا بما خلفته حرب الإبادة الإسرائيلية أو بما اضطر الناس إلى بنائه فوق أنقاضها.

المسألة لا تكمن في تغير أسماء الشوارع أو اختفاء المعالم العمرانية فقط؛ فالمكان الذي يعرفه الطفل يتشكل من التكرار والعلاقات والتفاصيل اليومية، من الباب الذي يخرج منه، والشجرة التي يمر بجوارها، والدكان الذي يشتري منه، والبيت الذي يذهب إليه للعب، وحين تتبدل هذه الأشياء، تتبدل معها الطريقة التي يفهم بها الطفل العالم المحيط به.

إسراء وسوار أبو هربيد، طفلتان من بيت حانون، ما زالتا تحملان في ذاكرتهما شيئًا من الخريطة القديمة. إسراء تتذكر شارع النزاز، وسوار شارع النعايمة، لكنهما حين تصفان الطريق لا تكتفيان باسم الشارع؛ تستدعيان الرمل والشجر والشبك والباب، وكل التفاصيل التي كانت تقودهما إلى البيت.

تقول إسراء: "في النزاز يوجد دحلة كبيرة، وبعدها بتلاقي باب طويل عنده شجر، وبعدها على طول بتلاقي شبك تحته باطون، بتلاقي بيتنا جنبه". أما سوار فتخبرنا: "النعايمة شارع عدل، بعدها بتلاقي شارع كله رمل، وفي زريعة كتير، وعليهم شبك، وعلى الجهتين شجر كتير".

ثم تختصر سوار حنينها في جملة: "بيتنا.. نفسي أرجع عليه وألاقي كل ألعابي وأغراضي". لا تتحدث عن مبنى فقط، وإنما عن حياة تركتها داخله، وفي ذاكرتها دكانة رياض، وفي ذاكرة إسراء شجرة قرب البيت؛ تفاصيل تبدو عادية في زمن الاستقرار، لكنها تصبح شديدة الثقل حين يفقد الصغار المكان.

بعد النزوح إلى تل الهوا غربي مدينة غزة، تغيرت طريقة الوصف، صار الطريق يمر بين الرمل والركام، وخيام على جانب الطريق، ومصلى مصنوع من الخيام، ومبنى نصفه مهدّم، ومدرسة وقعت فيها مجزرة، وبسطة قريبة من مكان الإقامة، لم تختفِ الحاجة إلى العلامات، وإنما اختفت بعض العلامات القديمة وحلّت محلها علامات صنعتها الحرب.

تقول المرشدة النفسية زينب الدهشان إن الأطفال بعد النزوح بدأوا يصفون أماكنهم بطريقة مختلفة، فأصبحت مشاعر الأمان والخوف والذكريات جزءًا من وصف المكان إلى جانب معالمه المادية، فالطفل لا يتذكر المكان باسمه فقط، بل بما عاشه داخله وبالأشخاص والمشاعر التي ارتبطت به.

وبحسب الدهشان، يبدأ الطفل تدريجيًا في تكوين علامات جديدة تساعده على فهم البيئة التي انتقل إليها؛ خيمة يعرفها، أو نقطة مياه يمر بها، أو شارع يسلكه يوميًا، هذه العلامات تمنحه شيئًا من الثبات في بيئة فقدت كثيرًا من ثوابتها، فيما ترى أن الطفل يمكن أن يحمل الصورتين معًا؛ صورة المكان الذي كان، وصورة المكان الذي صار إليه.

وتشرح الأخصائية النفسية نور أبو عيطة أن الطفل لا يتعامل مع المكان بوصفه إحداثية جغرافية، وإنما مساحة للعلاقات والروتين والانتماء؛ فالبيت عنده هو الأسرة والجيران والأصدقاء والمدرسة واللعب والوجوه التي جعلت المكان مألوفًا وآمنًا، لذلك، فإن النزوح المتكرر يعني انقطاعًا متكررًا في البيئة التي يتشكل داخلها شعوره بالاستقرار.

وتقول أبو عيطة إن فقدان البيت والحي والجيران قد يؤثر في إحساس الطفل بالاستقرار والانتماء، وقد يظهر ذلك في الحنين المتكرر، أو الحديث عن البيت القديم، أو التعلق بالأسرة، أو استحضار تفاصيل الحياة السابقة عبر الرسم واللعب، وفي المقابل، يمكن للعلاقات التي تمنح الطفل الأمان أن تساعده على بناء ارتباط أكثر استقرارًا بالمكان الجديد.

لذلك، لا تبقى الخيمة بالضرورة مجرد مأوى مؤقت في ذاكرة الطفل، إذا طال البقاء فيها وارتبطت بها علاقاته اليومية، فقد تصبح مكانًا له ذاكرة؛ قد يتذكر لاحقًا الطريق إلى نقطة المياه، والمخبز، والمصلى، والوجوه التي عرفها خلال النزوح، مضيفة: "لكن ذلك لا يعني أن الخريطة الجديدة تمحو القديمة".

وترى أبو عيطة أن منح الطفل مساحة للحديث عن أماكنه القديمة أو رسمها أو استعادتها بطريقته، يساعده على ترتيب ذكرياته والتعبير عن الفقد والحنين، والحفاظ على صلته بقصته وهويته. لكن استحضار المكان لا ينبغي أن يتحول إلى استدعاء قسري للألم؛ فالهدف ليس إبقاء الطفل عالقًا في الماضي، وإنما مساعدته على فهم ما عاشه والاحتفاظ بما يعنيه له، بالتوازي مع بناء شعور جديد بالأمان والانتماء في المكان الذي يعيش فيه الآن.

ويكشف حجم النزوح المتكرر عن سبب آخر وراء اضطراب علاقة الطفل بالمكان، فدراسة علمية منشورة عام 2026 في مجلة Child and Adolescent Psychiatry and Mental Health، وشملت 933 طفلًا نازحًا في غزة تراوحت أعمارهم بين 3 و12 عامًا، أفاد مقدمو الرعاية بأن الأطفال تعرضوا في المتوسط لـ6.7 عمليات نزوح.

ويفسر هذا أن المكان الذي كان يفترض أن يمنحه الاستقرار ظل يتبدل مرارًا، فيما استوفى 57.8% منهم مؤشرات اضطراب ما بعد الصدمة المحتمل وفق أداة فحص نفسية.

وبينما يُظهر الرقم الأول عدد المرات التي اضطر فيها الطفل إلى إعادة بناء خريطته المكانية، يكشف الثاني حجم الأثر النفسي الذي رافق هذه التجربة؛ فالمكان لم يعد مجرد نقطة على الطريق، بل صار مرتبطًا لدى كثير من الأطفال بالنزوح والخوف وفقدان الأمان.

البوابة 24