عندما يصبح الرصاص فوق القانون

 رامي الغف:

" لم تعد قضية الفلتان الأمني وانتشار السلاح بين العائلات مسألة يمكن تأجيلها أو دفنها تحت عناوين المصالحات والاعتبارات الاجتماعية. ما يحدث أخطر من ذلك بكثير، لأننا أمام ظاهرة تهدد ما تبقى من هيبة القانون، وتضع حياة المواطنين في مهب الرصاص. بكل صراحة: لا مجتمع يمكن أن يستقر إذا كان السلاح أقوى من القانون، ولا دولة يمكن أن تُبنى إذا أصبح لكل عائلة منطقها الأمني الخاص. العائلة ليست دولة، والشارع ليس ساحة لتصفية الحسابات، والسلاح ليس وسيلة لفرض الهيبة أو حماية النفوذ. ومن يرفع سلاحه في وجه مواطن أعزل لا يحمي المجتمع، بل يهدد المجتمع ويضع الجميع أمام خطر الانفلات. الأخطر من وجود السلاح هو أن يتحول حمله إلى أمر عادي، وأن يصبح إطلاق النار في الخلافات وسيلة للتخويف، وأن يجد المعتدي من يحميه تحت غطاء العائلة أو المكانة الاجتماعية أو النفوذ.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة وقاسية: لا حصانة لأحد أمام القانون. لا يجوز أن تكون هناك عائلة فوق القانون، ولا شخصية أقوى من مؤسسات الدولة، ولا مسلح يستطيع أن يفرض ما يريد لأن وراءه مجموعة من الأقارب. لقد دفع المواطن الفلسطيني ثمنًا باهظًا من الدم والدمار والنزوح، وليس من المقبول أن يستيقظ اليوم على خطر جديد مصدره أبناء المجتمع أنفسهم. ومن المؤسف أن يتحول بعض السلاح من وسيلة مقاومة في الوعي الوطني إلى أداة في النزاعات الداخلية، وأن تُستنزف قوة المجتمع في خصومات وثارات، بينما الناس تبحث عن الأمان والخبز والماء والدواء. المصالحة العائلية مطلوبة، والوجهاء لهم دور مهم، لكن المصالحة لا تعني إسقاط الحق العام، ولا تعني أن يُغلق ملف الاعتداء بمجرد اجتماع عشائري. الصلح الاجتماعي يطفئ النار، لكن القانون وحده يمنع تكرارها.

المطلوب اليوم موقف حاسم: جمع السلاح غير المنضبط، ملاحقة الخارجين على القانون، حماية المواطنين، وفرض العدالة على الجميع دون انتقائية. ومن يعتقد أن الحديث عن ضبط السلاح يستهدف عائلته أو كرامته، عليه أن يدرك أن كرامة العائلة الحقيقية ليست في عدد البنادق التي تمتلكها، بل في قدرتها على حماية أبنائها من الجريمة، واحترام القانون، ومنع سفك الدماء. لقد حان الوقت لنتوقف عن تجميل الواقع. الفلتان الأمني ليس "مشكلة عائلية".. إنه خطر على المجتمع كله. وسلاح العائلات حين يتحول إلى وسيلة لفرض الإرادة أو حل الخلافات هو بداية طريق لا يعرف أحد أين ينتهي. غزة لا تحتاج مزيدًا من البنادق في الشوارع، بل تحتاج إلى قانون عادل، وأمن مسؤول، ومؤسسات قادرة على حماية الناس. أما من يعتقد أن الفوضى ستبقى بلا حساب، فعليه أن يتذكر أن لكل مرحلة نهاية، وأن الملفات التي تُغلق مؤقتًا لا تختفي، وأن يوم الحساب أمام القانون سيأتي. لا دولة بلا قانون، ولا أمن بلا حصر للسلاح، ولا مستقبل لمجتمع يسمح بأن يصبح الرصاص لغةً بين أبنائه. *إعلامي وباحث سياسي

البوابة 24