حذرت تقديرات أمنية داخل إسرائيل من اقتراب الضفة الغربية المحتلة من مرحلة شديدة الخطورة في ظل التصاعد اللافت لاعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين، وما وصفه مسؤولون عسكريون إسرائيليون بعجز متزايد عن احتواء هذه الظاهرة أو الحد من تداعياتها الميدانية.
تحذير أمني خطير خلف الأبواب المغلقة
بحسب ما أوردته مصادر إعلامية عبرية، عرض الجيش الإسرائيلي خلال مداولات أمنية عقدها وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأحد الماضي، تقديرا يحذر من احتمال اشتعال الأوضاع في الضفة الغربية بصورة كبيرة، نتيجة الارتفاع الحاد في اعتداءات المستوطنين وما أطلق عليه داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية "الإرهاب اليهودي".
وأشار المحلل العسكري في صحيفة "يسرائيل هيوم"، يوآف ليمور، إلى أن هذا التحذير لم يطرح أمام الجمهور الإسرائيلي بصورة واضحة، بينما اكتفى كاتس عقب الاجتماع بإصدار بيان أكد فيه رفضه للعنف وأي محاولات لفرض القانون من جانب جهات لا تملك صلاحية القيام بذلك.
ورأى ليمور أن صياغة البيان جاءت بصورة غير مباشرة، إذ لم يحدد كاتس بشكل صريح الجهات التي كان يشير إليها، في الوقت الذي بدأ فيه بيانه بالإشادة بالجيش وقوات الأمن على خلفية ما وصفه بتراجع الاعتداءات الفلسطينية، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن "ظواهر خطيرة" مرتبطة بانتهاك القانون والعنف الذي تمارسه أقلية من المستوطنين.
أرقام تكشف اتساع دائرة الاعتداءات
خلال المداولات، قدم ممثلو الجيش الإسرائيلي أرقاما قال ليمور إنها تعكس اتساع نطاق الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين، ووفقا للبيانات التي أوردها، سُجل 682 اعتداء من جانب المستوطنين خلال الفترة المشار إليها، بينما بلغ العدد 867 اعتداء خلال عام 2025، وخلال النصف الأول من عام 2026 وحده، ارتفع عدد الاعتداءات المنسوبة إلى المستوطنين إلى 636 حادثة.
كما أظهرت البيانات أن 41 فلسطينيا أصيبوا خلال عام 2025 جراء هذه الاعتداءات، بينما منذ بداية العام الحالي، استشهد 4 فلسطينيين وأصيب 61 آخرون نتيجة هجمات المستوطنين، وفقا لما نقله ليمور عن المعطيات التي طُرحت في الاجتماع.
وتكشف هذه الأرقام، وفق القراءة الإسرائيلية نفسها، عن تحول الاعتداءات الفردية إلى ظاهرة متكررة تحمل مخاطر تتجاوز حدود الحوادث المحلية، خاصى مع استمرار الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين في مناطق مختلفة من الضفة.
من السيطرة على الأرض إلى الخوف من فقدان السيطرة
جاءت المداولات الأمنية، بحسب التقرير عقب اقتحام مستوطنين محيط منزل في قرية قصرة وإقامة بؤرة استيطانية في المكان، إلى جانب تحذيرات سابقة من جانب الجيش بشأن احتمال تراجع قدرته على السيطرة على التطورات الميدانية في الضفة الغربية.
وخلال الاجتماع، اعتبر ممثلو المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن اعتداءات المستوطنين أصبحت أحد العوامل الأساسية التي تزيد حالة التوتر، محذرين من أن استمرار الأنشطة غير القانونية في القرى الفلسطينية قد يدفع قطاعات من الفلسطينيين إلى التخلي عن حالة الهدوء والانخراط في مواجهات جديدة.
وبحسب ما نقله ليمور، فإن الجيش يرى أن استمرار هذه الاعتداءات يمكن أن يوفر أرضية للتحريض ضد المستوطنين والقوات الإسرائيلية والمؤسسات الإسرائيلية، بما قد يقود إلى موجة تصعيد تدريجية ذات آثار أمنية طويلة المدى.
الجيش يحذر: التأخر في التحرك قد يشعل الضفة
الرسالة الأبرز التي حملتها المداولات، وفقا للتقرير، تمثلت في تحذير المؤسسة العسكرية من أن عدم تنفيذ تحرك أمني منسق وحازم ضد اعتداءات المستوطنين قد يقود إلى انفجار الأوضاع في الضفة خلال فترة قريبة.
وأكد ممثلو الجيش ضرورة أن تتعامل الأجهزة الأمنية مع هذه الاعتداءات بفاعلية أكبر، معتبرين أن استمرارها دون رد حاسم يفاقم الاحتكاك على الأرض ويزيد احتمالات انتقال التوتر من نطاق محدود إلى مواجهة أوسع.
لكن التحذير لم يقتصر على الجانب الأمني فقط، إذ تضمن انتقادات ضمنية للمستوى السياسي، وسط حديث عن صمت أو تجاهل من جانب بعض المسؤولين المنتخبين تجاه ممارسات المستوطنين، وهو ما اعتبره الجيش عاملا يزيد صعوبة السيطرة على الموقف.
أزمة صلاحيات بين الجيش والشرطة
وفي محاولة لمعالجة الظاهرة، طلب كاتس من الجيش إعداد خطة لنقل مسؤولية التعامل مع اعتداءات المستوطنين من الجيش إلى الشرطة، إلا أن ضباطا في الشرطة أشاروا إلى وجود عوائق قانونية وعملياتية أمام تنفيذ هذا المقترح، وأوضح هؤلاء أن الشرطة الإسرائيلية لا تملك صلاحيات العمل بالطريقة نفسها في المناطق المصنفة "أ" و"ب" في الضفة الغربية، الأمر الذي يجعل عملية نقل المسؤوليات أكثر تعقيدا.
وهكذا تبدو المؤسسة الأمنية أمام معضلة مزدوجة: الجيش يطالب بتقليل انشغاله بمواجهة المستوطنين والتفرغ لمهام أخرى، في حين أن الشرطة لا تمتلك، وفقا لما ورد في التقرير، الأدوات والصلاحيات الكاملة للتعامل مع الملف في جميع مناطق الضفة.
هل بدأ صبر الفلسطينيين ينفد؟
يرى ليمور أن أحد أبرز جوانب التحذير العسكري الإسرائيلي يتمثل في التخوف من تغير سلوك الفلسطينيين في الضفة الغربية، بعدما حافظت المنطقة منذ بداية الحرب على مستوى من الهدوء النسبي رغم العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة.
ويشير التحليل إلى أن الظروف المعيشية للفلسطينيين تدهورت خلال الفترة الماضية، ومن بين أسباب ذلك القيود المفروضة على دخول العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل، إلا أن هذه الضغوط لم تتحول حتى الآن إلى موجة واسعة من التصعيد الأمني.
غير أن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون قد تكون مختلفة في تأثيرها، إذ ينظر إليها الفلسطينيون، بحسب التحليل الإسرائيلي، باعتبارها جزءا من صراع يحمل أبعادا دينية، فضلا عن اعتقاد بوجود محاولات لدفعهم إلى مغادرة مناطقهم والسيطرة على أراضيهم، ومن هنا تخشى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من أن تتحول اعتداءات المستوطنين إلى عامل مباشر يغيّر المعادلة الأمنية في الضفة.

انتقادات للشرطة والشاباك
وتضمن التحذير العسكري، بحسب ليمور، انتقادا واضحا لأداء مؤسسات إسرائيلية معنية بمواجهة اعتداءات المستوطنين، وفي مقدمتها الشرطة وجهاز الأمن العام "الشاباك"، وأشار المحلل إلى أن الشرطة تواجه اتهامات بالتهرب من التعامل الحازم مع بعض المستوطنين المتورطين في أعمال عنف، بينما لجأ الشاباك إلى إجراءات وبدائل أمنية لم تحقق، وفقا لهذا التقييم، النتائج المطلوبة.
كما أعاد ليمور التذكير بقرار اتخذه كاتس في بداية توليه منصبه، تمثل في عدم الموافقة على استخدام الاعتقال الإداري بحق يهود مشتبه في تورطهم في الإرهاب، وهي أداة كانت تعتبرها الأجهزة الأمنية وسيلة ردع مهمة.
عبء أمني جديد على الجيش الإسرائيلي
من زاوية أخرى، يرى الجيش أن مواجهة اعتداءات المستوطنين تستنزف جزءا كبيرا من قواته وموارده في وقت يخوض فيه مواجهات وعمليات على جبهات متعددة، وبحسب التحذيرات التي أوردها التقرير، فإن تخصيص أعداد كبيرة من الجنود للتعامل مع "الإرهاب اليهودي" يأتي على حساب العمليات الموجهة ضد الفصائل الفلسطينية، كما قد يؤثر في قدرة الجيش على التعامل مع تحديات أمنية أخرى.
وهذا يعني أن ظاهرة المستوطنين لم تعد، من وجهة النظر العسكرية الإسرائيلية، قضية داخلية محدودة، وإنما أصبحت ملفا يؤثر بصورة مباشرة في توزيع القوات والموارد وفي قدرة المؤسسة العسكرية على تنفيذ مهامها الأخرى.
صدام متزايد بين المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي
الجانب الأكثر حساسية في التحذير الإسرائيلي يتعلق بالعلاقة المتوترة بين القيادة العسكرية وبعض أطراف المستوى السياسي، ولفت ليمور إلى انتقادات غير معتادة صدرت مؤخرا بشأن وجود غطاء سياسي للمستوطنين المتطرفين، مشيرا إلى تصريحات لمسؤول إسرائيلي تحدث فيها عن وجود "ذراع عسكري" للإرهاب اليهودي في الميدان، بالتوازي مع ذراع سياسي داخل الحكومة والكنيست.
وتأتي هذه التصريحات في ظل مواجهة علنية وقعت بين كاتس وقائد القيادة الوسطى للجيش الإسرائيلي، انتهت إلى إعلان إقالة الأخير قبل التراجع عن القرار لاحقا، ويرى ليمور أن هذه المواجهة أرسلت، بحسب تقديره، رسالة إلى التيارات المتطرفة مفادها أن جزءا من القيادة السياسية يقف إلى جانبها في خلافها مع المؤسسة العسكرية، وهو ما قد يزيد تعقيد المشهد الأمني بدلا من تهدئته.
الضفة أمام اختبار أمني جديد
تكشف المعطيات التي أوردها التقرير الإسرائيلي عن قلق متزايد داخل المؤسسة العسكرية من أن تتحول اعتداءات المستوطنين من ظاهرة أمنية منفصلة إلى شرارة تشعل مواجهة أوسع في الضفة الغربية.
فارتفاع أعداد الاعتداءات، وسقوط ضحايا فلسطينيين، وتصاعد الاحتكاك على الأرض، إلى جانب الخلافات بين الجيش والشرطة والمستوى السياسي، كلها عوامل تتقاطع في لحظة شديدة الحساسية.
