كشف رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى عن تقديرات ضخمة لحجم الاحتياجات المطلوبة لإعادة إعمار قطاع غزة، مشيرًا إلى أن التكلفة الإجمالية للتعافي وإعادة البناء خلال السنوات العشر المقبلة تصل إلى نحو 71.4 مليار دولار، منها 26.3 مليار دولار تحتاج إليها غزة خلال أول 18 شهرًا لاستعادة الخدمات الأساسية وإصلاح البنية التحتية ودعم الاقتصاد.
وأكد مصطفى أن غزة ليست ملفًا منفصلًا عن الدولة الفلسطينية، مشددًا على أن الحكومة الفلسطينية تتحمل مسؤولياتها تجاه سكان القطاع رغم ظروف الحرب والقيود المفروضة على عمل المؤسسات، وأن أي ترتيبات للمرحلة المقبلة يجب أن تقود في النهاية إلى حكومة فلسطينية واحدة ومؤسسات موحدة ونظام قانوني واحد.
غزة جزء من الدولة ومسؤوليتنا قائمة
شدد رئيس الوزراء الفلسطيني على أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، وأن مسؤولية الحكومة تجاه سكان القطاع لا تبدأ بعد انتهاء الحرب، وإنما هي قائمة بالفعل، وأوضح أن الحكومة تواصل، رغم الحرب والدمار والقيود الميدانية، أداء مهامها المالية والإدارية والخدماتية، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والمياه والخدمات البلدية والمدنية، إلى جانب التنسيق مع المؤسسات الوطنية والدولية في مجال الإغاثة.
وأكد أن الحكومة لم تنتظر توقف الحرب للبدء في التحضير لمرحلة التعافي، بل شرعت بالتعاون مع مصر وشركاء دوليين في تقييم حجم الأضرار والاحتياجات، وإعداد خطة فلسطينية لإعادة الإعمار وتحويلها إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ.
71.4 مليار دولار فاتورة إعادة إعمار غزة
كشف مصطفى أن التقييمات التي أجرتها الحكومة الفلسطينية بالتعاون مع البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تجاوزت مرحلة التقديرات الأولية، وأصبحت هناك أرقام محددة لحجم الاحتياجات،ووفق التقييم النهائي، تحتاج عملية التعافي وإعادة الإعمار في غزة إلى نحو 71.4 مليار دولار على مدار 10 سنوات.
وتستحوذ المرحلة الأولى على نحو 26.3 مليار دولار خلال 18 شهرًا، وهي الأموال التي ستوجه إلى استعادة الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية وتحريك النشاط الاقتصادي، وأوضح رئيس الوزراء أن الخطة لا تقتصر على إعادة بناء المباني المدمرة، وإنما تشمل قطاعات المياه والصرف الصحي والصحة والتعليم والطاقة والإسكان وإزالة الركام والزراعة والاقتصاد والخدمات الأساسية.
إعادة الإعمار ليست حجارة فقط
يرى رئيس الوزراء الفلسطيني أن إعادة إعمار غزة يجب ألا تختزل في إعادة بناء المنشآت التي دمرتها الحرب، وإنما ينبغي أن تشمل إعادة بناء حياة السكان واستعادة الخدمات والاقتصاد وخلق فرص العمل، وأكد أن الهدف النهائي هو تمكين الفلسطينيين من البقاء في أرضهم وإعادة بناء مستقبلهم فيها، بالتوازي مع استعادة المؤسسات والخدمات العامة.
وتعمل الحكومة، بحسب مصطفى، على حشد التمويل من الدول العربية والشركاء الدوليين والمؤسسات المالية الدولية، إضافة إلى القطاع الخاص، من أجل تحويل الخطة إلى مشروعات فعلية.
مصر شريك أساسي في مرحلة ما بعد الحرب
أشاد محمد مصطفى بالدور المصري، مؤكدًا أن العلاقة بين القاهرة والسلطة الفلسطينية تتجاوز الوساطة في الأزمة الحالية، ووصف مصر بأنها شريك تاريخي واستراتيجي للشعب الفلسطيني، مشيرًا إلى أن موقعها وعلاقاتها الإقليمية والدولية يمنحانها دورًا محوريًا في التعامل مع الحرب وما بعدها.
وأكد تقديره للموقف المصري الرافض لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، والداعم لوحدة الأراضي الفلسطينية وإنهاء الحرب وضمان وصول المساعدات الإنسانية، كما أشار إلى وجود تنسيق مستمر مع القاهرة بشأن مرحلة التعافي وإعادة الإعمار واستعادة الخدمات والترتيبات المؤسسية والأمنية المرتبطة بالمرحلة المقبلة.
لا فصل بين غزة والضفة الغربية
حذر رئيس الوزراء الفلسطيني من التعامل مع قطاع غزة والضفة الغربية باعتبارهما ملفين منفصلين، مؤكدًا أن وحدة الأراضي الفلسطينية تمثل أساس أي تصور سياسي للمرحلة المقبلة، وقال إن غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس، تشكل وحدة سياسية وجغرافية وقانونية واحدة، وأن أي ترتيبات انتقالية يجب ألا تتحول إلى وسيلة لتكريس الانقسام أو إنشاء أنظمة إدارية ومالية وقانونية موازية.
وأكد أن الوجهة النهائية التي تتمسك بها الحكومة هي استعادة وحدة المؤسسات والولاية الفلسطينية على كامل الأراضي الفلسطينية.
تحذير من تصعيد إسرائيلي في الضفة
وتطرق مصطفى إلى الأوضاع في الضفة الغربية، معتبرًا أن التصعيد العسكري والاستيطاني هناك لا يمكن فصله عن الحرب في غزة، واتهم إسرائيل بالسعي إلى نقل تداعيات الحرب إلى الضفة، من خلال الاقتحامات والتوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي واعتداءات المستوطنين.
وأكد أن الحكومة تعمل على حماية الفلسطينيين وتعزيز صمود المناطق الأكثر تعرضًا للاستهداف، والحفاظ على المؤسسات والخدمات، بالتوازي مع التحرك السياسي والدبلوماسي مع مصر والدول العربية والمجتمع الدولي، وشدد على أن المجتمع الدولي، من وجهة نظره، مطالب بتجاوز بيانات القلق واتخاذ إجراءات عملية تمنع الضم والتوسع الاستيطاني وتغيير الحقائق على الأرض.
أكثر من 6 مليارات دولار.. أزمة أموال المقاصة
كشف رئيس الوزراء الفلسطيني أن أزمة أموال المقاصة تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه المالية العامة الفلسطينية، موضحًا أن هذه الأموال ليست مساعدات إسرائيلية، وإنما إيرادات فلسطينية من الضرائب والجمارك تقوم إسرائيل بتحصيلها بموجب الترتيبات القائمة.
وقال إن الأموال المحتجزة تجاوزت حاليًا 6 مليارات دولار، وإن استمرار حجزها أو اقتطاع أجزاء منها يضع ضغوطًا كبيرة على المالية العامة، وأوضح أن الأزمة تنعكس على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين ومقدمي الخدمات والقطاع الخاص، كما تؤثر بصورة مباشرة في الاقتصاد الفلسطيني.
وأكد أن الحكومة تسعى، بالتنسيق مع الدول العربية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، إلى استعادة هذه الإيرادات، مع المطالبة بوضع آلية مستدامة تمنع استخدام الأموال الفلسطينية كورقة ضغط سياسي.

بروكسل وخطة التعافي المبكر
وأشار مصطفى إلى أهمية اجتماع مجموعة المانحين لفلسطين في بروكسل، معتبرًا أنه ساعد على الانتقال من مرحلة مناقشة الاحتياجات إلى حشد الموارد والبدء في تمويل برامج عملية، وكشف أن الاتحاد الأوروبي أطلق، بالتعاون مع الجانب الفلسطيني، مبادرة Gaza Team بهدف الانتقال تدريجيًا من مرحلة الإغاثة إلى التعافي المبكر، مع مساهمات والتزامات أولية وصلت إلى نحو 883.6 مليون يورو.
وتشمل الأولويات إزالة الأنقاض، وتوفير المأوى، ودعم الخدمات البلدية، والحماية الاجتماعية، وقطاعات الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي، إضافة إلى إعادة تنشيط الاقتصاد والإنتاج.
حل الدولتين.. من الشعارات إلى التنفيذ
أكد رئيس الوزراء الفلسطيني أن المطلوب لم يعد مجرد إعادة إطلاق عملية سلام مفتوحة دون سقف زمني، وإنما الانتقال إلى خطوات عملية لتنفيذ حل الدولتين، وأوضح أن المسار المطلوب يجب أن يجمع بين إنهاء الحرب في غزة، ووقف التوسع الاستيطاني والضم في الضفة الغربية، وتوحيد القطاع والضفة ضمن دولة فلسطينية واحدة، ودعم المؤسسات الفلسطينية.
وشدد على أن الدولة الفلسطينية المنشودة يجب أن تقام على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق المرجعيات الدولية ومبادرة السلام العربية، ويرى مصطفى أن استمرار الاستيطان ومصادرة الأراضي ومحاولات الضم يهدد إمكانية تطبيق حل الدولتين، ولذلك فإن الحفاظ عليه يتطلب حماية فرص تنفيذه على الأرض وليس الاكتفاء بتكرار التأييد له في البيانات السياسية.
حكومة واحدة وقانون واحد لغزة بعد الحرب
طرح مصطفى تصور الحكومة الفلسطينية لإدارة قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، مؤكدًا أن الهدف هو الوصول إلى دولة واحدة وحكومة واحدة وقانون واحد ومؤسسات وطنية موحدة، وأشار إلى أن الظروف الاستثنائية قد تفرض ترتيبات انتقالية مؤقتة، لكنه شدد على ضرورة أن تكون محددة المدة والهدف، وأن تقود تدريجيًا إلى تولي الحكومة الفلسطينية مسؤولياتها كاملة في القطاع.
كما رفض نشوء مؤسسات أو أنظمة موازية في غزة، محذرًا من أن تحول الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم سيكرس الانقسام ويضعف وحدة الأراضي الفلسطينية.
الانتخابات الفلسطينية.. تحديات الحرب لا تلغي الاستحقاق
أكد رئيس الوزراء أن إجراء الانتخابات وتجديد الحياة الديمقراطية يمثلان أولوية وطنية، مشيرًا إلى استعداد المؤسسات الفلسطينية للعمل على توفير الظروف اللازمة لإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة وشاملة.
وأوضح أن أي انتخابات وطنية يجب أن تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وأن مشاركة سكان القطاع والقدس تمثل عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
وأشار إلى أن الحرب والقيود الإسرائيلية تفرض تحديات كبيرة أمام إجراء الانتخابات، لكنها، بحسب رؤيته، يجب أن تكون حافزًا للعمل على تهيئة الظروف المناسبة بدلًا من التخلي عن الاستحقاق الديمقراطي.
إصلاح السلطة.. مسار مستمر رغم الضغوط
أكد مصطفى أن الإصلاح المالي والمؤسسي يمثل محورًا رئيسيًا في عمل الحكومة، مشيرًا إلى اتخاذ خطوات في إدارة الإيرادات والنفقات وحماية المال العام وتطوير الخدمات ومكافحة التهريب والتعديات على الموارد العامة
كما تحدث عن إعادة هيكلة عدد من المؤسسات، وتسريع التحول الرقمي، وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة، وشدد في الوقت نفسه على أن الإصلاحات لا ينبغي أن تتحول إلى شرط للحصول على الحقوق الفلسطينية، معتبرًا أن استعادة أموال المقاصة والحقوق السياسية والوطنية لا يمكن ربطها بشروط إصلاحية.
"اليوم التالي" ماذا تريد الحكومة الفلسطينية؟
في ختام رؤيته للمرحلة المقبلة، أكد مصطفى أن إدارة غزة بعد الحرب يجب أن تنطلق من مبدأ أن القطاع جزء من دولة فلسطين، وأن أي ترتيبات انتقالية يجب أن تكون مؤقتة ومحددة، وتصب في اتجاه استعادة الولاية الفلسطينية الكاملة.
أما إعادة الإعمار، فيجب أن تتم بقيادة وملكية فلسطينية، وبالتعاون مع مصر والدول العربية والمجتمع الدولي، مع الحفاظ على وحدة الاقتصاد والمؤسسات والأرض الفلسطينية.
وبذلك تضع الحكومة الفلسطينية تصورًا لمرحلة ما بعد الحرب يقوم على ثلاثة مسارات متوازية: إعادة إعمار غزة، توحيد المؤسسات الفلسطينية، وإطلاق مسار سياسي ينهي الاحتلال ويفتح الطريق أمام إقامة الدولة الفلسطينية.
