جميل السلحوت :
تمرّ هذه الأيّام ذكرى مرور عشرين عاما على رحيل الأديب خليل السواحري، وهكذا يترجل الاديب خليل السواحري عن صهوة الثّقافة؛ ليلحق بركب الخالدين من أبناء شعبه وأمته، وهذه سنّة الحياة فكلّ نفس ذائقة الموت . وخليل حسين سلامة شقيرات ولد وترعرع في جبل المكبر – في القدس الشريف – كان شديد الاعتزاز بانتمائه العائليّ والعشائريّ، لذا فمنذ نعومة أظفاره ومنذ بداياته في الكتابة وقع أولى مقالاته بخليل السواحري مشدّدا على انتمائه لعرب السواحرة ومفاخرا بهذا الانتماء، وهذا الانتساب لاصقه حتى الساعة الأخيرة من حياته بحيث أن كثيرين من أصدقائه ومحبيه وقرائه وحتى طلابه لا يعرفون من اسمه الحقيقي إلا اسمه الأول . والرّاحل كان مسكونا بالقدس الشّريف حتى أنّ بداياته القصصية كانت قصة بعنوان " مقهى الباشورة " وهو مقهى معروف ومشهور في سوق الباشورة في القدس القديمة، وقد حملت هذه القصة عنوان مجموعة قصصية صدرت لاحقا . والرّاحل خليل السواحري الذي مارس التّدريس في أكثر من مدرسة كان آخرها مدرسة رام الله الثّانويّة، عندما اعتقله المحتلون الإسرائيليون وأبعدوه في حزيران 1969 إلى الأردن. درس الفلسفة انتسابا لجامعة دمشق . وكان من المؤسّسين للحركة الثّقافية الفلسطينيّة والأردنيّة المعاصرة، فهو من الجيل الذي اقترن اسمه بمجلّة الأفق الجديد التي أسّسها ورأس تحريرها الشاعر المرحوم عمر شنّار في ستّينات القرن الماضي، فكان ضمن كوكبة يشار اليها بالبنان منهم ابن بلدته الأديب محمود شقير، صبحي الشّحروري، الشّهيد ماجد أبو شرار، حكم بلعاوي، الرّاحل عبد الرحيم عمر، محمد البطراوي ، د. ابراهيم العلم ، .... وآخرون . ولإبداعاته القصصيّة فإنّ وزارة التّربية والتّعليم الفلسطينيّة ادخلت إحدى قصصه " زائر المساء " في منهاج اللغة العربيّة للصّفّ الثّامن . وفي الأردن واصل أعماله الأدبية ، حيث شارك في تأسيس رابطة الكتّاب الأردنيّين، وعمل محرّرا للصّفحة الأدبية في أكثر من مجلّة وصحيفة، كما أنّه عمل مراسلا أدبيّا لأكثر من مطبوعة عربيّة، وكان جلّ تركيزه على التّعريف بأدب الأرض المحتلّة . كما أسّس السواحري دار الكرمل للطّباعة والنّشر في العاصمة الأردنيّة عمّان ، تلك الدّار الّتي صدر عنها مئات الكتب الابداعية لمبدعين أردنيّين وفلسطينيّين . وفي أيّار-مايو- 1993 عاد الأديب السّواحري إلى أرض الوطن؛ ليشغل مديرا عامّا في وزارة الثّقافة الفلسطينيّة؛ ليُنقل بعدها ملحقا ثقافيّا في سفارة فلسطين في الأردن . ومنذ ذلك التّاريخ وهو يكتب مقالة أسبوعية في صحيفة الأيّام التي تصدر في رام الله . وبعد أن عاد إلى أرض الوطن كتب ما يشبه السّيرة الذّاتيّة في كتاب عنوانه " تحولات سلمان التايه ومكابداته " . وخليل السواحري الذي صارع المرض طويلا لم تقتصر إبداعاته على الأعمال القصصيّة فقط، بل إنّه اشتهر في التّحليل الأدبيّ أيضا بوعي كاف، كان له الفضل في توجيه مسارات كتّاب كثيرين . والأديب السّواحري الذي كان يتغنّى بالقدس مات بعيدا عنها في عمّان وهو في منتصف السّتينات من عمره، وفي عزّ عطائه أيضا، ووري في ثراها دون أن يتحقق حلمه بأن يدفن في ثرى القدس الطّاهر . إن الحركة الأدبيّة تفتقد برحيل السّواحري علما من أعلامها فله الرحمة وخلود الذّكرى.
