غزة/ البوابة 24- جنين الوادية
"اشتقت لأطفالي، كل ما أرجوه في هذه الحياة لقاء وعناق".. جملة تقولها هبة صقر، 32 عامًا، وهي تعرف أن أبسط ما تريده منذ سنوات صار مرتبطًا بطريق مغلق؛ أن تعود إلى طفليها، بعدما خرجت من قطاع غزة للعلاج ولم تستطع العودة.
قبل حرب الإبادة، لم تكن هبة تتخيل أن خروجها لتلقي العلاج سيطول إلى هذا الحد، كانت تظن أن شهرًا أو شهرين يكفيان، ثم تعود إلى بيتها وزوجها وطفليها، لكن إصابة واحدة فتحت أمامها سنوات من الغياب والعمليات الجراحية والانتظار.
في تفاصيل القصة، أصاب القصف الإسرائيلي منزلًا كانت أسرتها قد نزحت إليه في دير البلح، فتطايرت الشظايا نحوهم، أصيبت الأم بكسر وانفصال في الحوض، ثم بدأت رحلة علاج طويلة تخللتها عمليات متتابعة، بينما امتد الألم إلى كتفها ورجلها ويدها.
كانت تظن أن العلاج سيعيدها سريعًا إلى طفليها، لكن كل عملية كانت تؤجل العودة أكثر، ومع امتداد علاجها في مصر، امتدت المسافة بينها وبين غزة إلى "سنوات" تتسع فيها الفجوة بينها وبين حياتها الأولى.
في البداية، ظل زوجها يتواصل معها بين فترة وأخرى، لكن طول الغياب وثقل الظروف أخذا يغيران شكل العلاقة، حتى انتهى الزواج بالطلاق، وبقي الطفلان في القطاع، فيما بقيت هبة في مصر، تكمل علاجًا لم يكن موعد نهايته واضحًا.
تُعلق: "الإبادة الإسرائيلية جعلت الأمومة مكالمات ورسائل ومحاولات متكررة لمعرفة أخبار طفلي، وانتظارًا لا أعرف متى ينتهي، أنا أريد فقط أن أراهم، أن أجلس معهم وأحتضنهم".
ولدى الشاب محمد الكردي، 23 عامًا، قصّة أخرى، إذ كان يرى في خطوبته بداية طريق يقوده إلى بيت جديد حينما تعرف إلى خطيبته في الجامعة؛ هي من بيت حانون وهو من النصيرات، وعلاقتهما بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2022، لتتحوّل إلى خطوبة بعد عامين.
في ديسمبر/كانون الأول 2024، خطّط الاثنان لإكمال الدراسة وتجهيز منزلهما، على أمل أن تتحول الخطوبة إلى زواج خلال عام، كانت الخطة تبدو ممكنة، لكن الحرب لم تترك لها الوقت الكافي كي تصبح حياة.
نزح محمد من النصيرات إلى دير البلح، ثم إلى خانيونس، قبل أن يصل إلى مصر، بينما بقيت خطيبته شمال قطاع غزة، الطريق الذي كان يسمح لهما باللقاء قبل الحرب أُغلق، وصار الوصول بينهما يحتاج إلى معبر مفتوح وقدرة مالية لا يملكها الاثنان.
يخبرنا أنه حاول العودة إلى غزة، وانتظر ستة أشهر على أمل أن يتمكن من الرجوع، كما حاول أيضًا إيجاد طريق لخروج خطيبته، لكن المحاولتين اصطدمتا بالعائق نفسه: لا طريق واضحًا، ولا موعدًا يمكن البناء عليه، ولا قدرة على تحمل تكاليف سفر قد تصل إلى مبالغ باهظة.
ويضيف: "بقي الهاتف منفذنا الوحيد، كنا نتحدث لساعتين أو ثلاث يوميًا، نحاول اختصار المسافة بالكلام، لكن ساعات الاتصال لم تكن قادرة على منح العلاقة ما تحتاجه؛ فصوت من نحب لا يعوض وجوده، والشاشة لا تبني بيتًا".
مع مرور الوقت، لم يعد الانتظار مرتبطًا بموعد للزواج، بل صار سؤالًا مفتوحًا عن مستقبل العلاقة نفسها، هل يستمران في انتظار طريق قد لا يفتح، أم يمنح كل منهما نفسه فرصة لبناء حياة أخرى؟
جلس الاثنان في مكالمة طويلة، تحدثا عن الوقت الذي مضى، وعن استحالة استمرار العلاقة بالشكل نفسه، ثم اتفقا على الانفصال، إذ لم يكن خلافًا أنهى الحب، ولا غيابًا للمشاعر؛ كان طريقًا مغلقًا وحياة مشتركة لم تجد طريقها إلى الواقع -وفق الشاب-.
سنوات تفصل بين قلبين
في بيت لاهيا شمالي القطاع، كانت جنات بكري، 21 عامًا، تعيش انتظارًا آخر، بدأت خطوبتها قبل الحرب بفترة قصيرة من قريب لها كان يقيم في ألمانيا، وكانت تخطط للخروج من غزة والالتحاق به، قبل أن تبدأ الحرب ويغلق الطريق بينهما.
في التفاصيل تتحدث: "كان موعد الزواج قريبًا بحفلة عائلية ثم المغادرة، لكن الحرب باغتتنا، وبعد أشهر المعبر أُغلق، ومسلسل القصف والتدمير والنزوح يذيب قلوبنا".
خلال الحرب، نزحت جنات أكثر من عشرين مرة، تغيرت أماكن إقامتها، وانقطعت الاتصالات في فترات كثيرة، وأصبح الهاتف الوسيلة الوحيدة التي تبقي العلاقة قائمة، وبين نزوح وآخر، تكرر الأمل نفسه: تنتهي الحرب، يفتح المعبر، ويلتقي الاثنان.
لكن الانتظار لم يكن بلا ثمن -تقول وتضيف-: "أصبت خلال الحرب، وفقدت أفرادًا من عائلتي، وفي الوقت الذي كنت فيه بأشد الحاجة إلى شخص قريب مني، كان شريكي خلف الحدود، عاجزًا عن الوصول إلي أو مشاركتي ما أعيشه".
هذا الغياب الذي فرضته الحرب، إلى جانب فقد الأحبة والإصابة والنزوح، جعلها تفكر بالانفصال الذي لم يرغب أحدهما به، "لم يكن الأمر سهلًا، لكن فقدان الأمل بتحسّن الظروف بغزة هو ما دفعني لهذه الخطوة، كل محاولات العيش والنهوض بالنفس تقتل تحت نيران القصف المستمرة".
