غزة/ إسلام أيمن- البوابة 24:
لم تكن "هـ.أ" (36 عامًا)، طرفًا في شجار، ولا حملت سلاحًا، ولا هددت أحدًا. كانت في السادس من حزيران/ يونيو الماضي تمرُّ مرورًا عابرًا في حي الزيتون، حين قررت رصاصة خرجت من سلاح أحد المتشاجرين أن تصنع النهاية.
نزفت "هـ.أ" داخليًا حتى فارقت الحياة، وفارق معها الحياة جنينها الذي لم يُبصر النور. هي لم تُقتل في قصف، ولم تسقط برصاص عدو، ربما لهذا تبدو قصتها أكثر مرارة، فالخطر هذه المرة كان بين أناسٍ هي منهم، وسط خلاف عائلي لم تكن طرفًا فيه.
وثّقت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان واقعة "هـ.أ" ضمن تقريرها الشهري عن الانتهاكات لشهر حزيران/يونيو 2026م. وقالت عائلة مطلق الرصاصة، بحسب بيان صادر عنها، إن الإصابة جاءت "عن طريق الخطأ".
لكن العبارة، مهما بدت حاسمة في لحظة الفجيعة، لا تكفي وحدها لتحديد المسؤولية القانونية، فالوصف الجرمي للواقعة -في الوضع الطبيعي وفق قانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936 وتعديلاته، النافذ في قطاع غزة- يبقى رهين التحقيق والأدلة وتحديد القصد والسببية والظروف التي أحاطت بالفعل، وهو ما يجعل عبارة "عن طريق الخطأ" بداية للتحقيق، لا خاتمة له.
.. بعد أسابيع، لم تكن "هـ. أ" وحدها التي تدفع ثمن السلاح حين يدخل في خلاف عابر، ففي السابع عشر من آب/أغسطس 2026م، وفي منطقة الكتيبة بمدينة غزة، بدأ الأمر بخلاف بسيط بين مواطنين أثناء تعبئة جالونات مياه الشرب.
ما بدأ بكلمات انتهى بالرصاص، أُطلق النار، فسقط المواطن سلمان السرساوي (52 عامًا) قتيلًا، فيما أصيب ثلاثة آخرون بإصابات حرجة.
كان السرساوي في مكان يعرفه الغزيون جيدًا: طابور ماء! لم يذهب إلى معركة، كان -مثل غيره- ينتظر جالونًا يعود به إلى بيته، لكن الخلاف الذي كان يمكن أن ينتهي بانسحاب أحد الطرفين أو بكلمة، وجد طريقًا بات يظنه كثيرون في قطاع غزة أقصر وأكثر فتكًا: السلاح.
وتعبّر مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان عن قلقها الشديد إزاء تزايد حالات القتل الناتجة عن المشاجرات واستخدام السلاح في ظل غياب المؤسسات القانونية، محذرة من انعكاسات ذلك على السلم المجتمعي في قطاع غزة.
أما حمل السلاح، فله أحكامه القانونية كذلك، بما يعني أن السلاح الذي يظهر فجأة في نزاع مدني لا يصبح مشروعًا لمجرد أن حامله وجد نفسه غاضبًا أو في خصومة، لكن غياب القانون لم يعد يُقاس بالدم وحده.
في سوق الصحابة، خرج عبد الله اشتيوي ليشتري طعامًا لأطفاله، اختار ما يحتاجه من الخضار، ومد يده إلى جيبه ليُخرج هاتفه ويدفع عبر التحويل البنكي، فالمعاملات -كما يقول- "تقتصر على المعاملات البنكية فقط".
لم يجد هاتفه، كان قد سُرق! وقف الرجل أمام حاجته اليومية وقد تحولت إلى أزمة. لم يفقد جهازًا فحسب، بل فقد وسيلة الوصول إلى المال الذي يحتاجه لإطعام أسرته. يصف اللحظة بالغضب والسخط والحيرة: كيف يعود إلى أطفاله بلا طعام؟ من سرقه؟ ولمن يشتكي؟ "ففي مدينة تتعطل فيها المؤسسات، يصبح السؤال عن الجهة التي تستقبل الشكوى جزءًا من المأساة نفسها" يعقب.
وبحسب روايته، لم يجد أمامه في النهاية سوى الدعاء أن يعوّضه الله.
من اختصاص جهات التحقيق وليس الضحية
والسرقة، قانونًا، ليست مجرد هاتف اختفى من جيب صاحبه، فالمادة (263) من قانون العقوبات تعرّف السرقة باعتبارها أخذ مال قابل للسرقة دون رضا مالكه وبقصد حرمانه منه حرمانًا مطلقًا، فيما يحدد القانون العقوبات المترتبة على صورها المختلفة.
لكن إثبات وقوع الجريمة وتحديد مرتكبها يظلان من اختصاص جهات التحقيق والعدالة، لا من اختصاص الضحية أو المجتمع.
ثلاثة أشخاص، من أماكن مختلفة، وثلاثة مسارات للضرر: امرأة قتلتها رصاصة لم تكن موجهة إليها، ورجل انتهى خلاف على الماء بموته، وأب خرج ليجلب الطعام فعاد يبحث عن وسيلة يسترد بها ما سُرق منه. ثلاث حكايات تلتقي في نقطة واحدة: ماذا يحدث حين لا يجد الإنسان جهة يطرق بابها ليستعيد حقه؟
من يحاسب مطلق الرصاصة؟ ومن يحقق في مقتل السرساوي؟ ومن يعيد الهاتف إلى صاحبه؟ ومن يحمي الناس من أن يتحول خلاف بسيط إلى جنازة؟ هذه ليست أسئلة نظرية في غزة اليوم، إنها أسئلة الناس الذين أنهكتهم الحرب، ثم وجدوا أنفسهم أمام خطر آخر يأتيهم من الداخل.. في هذا الفراغ، ربما لم يختفِ القانون تمامًا، لكنه فقد كثيرًا من أدواته.
يقول المحامي أحمد حمد لـ"البوابة 24": "إن الغياب شبه الكامل للمحاكم وتعطل كثير من المؤسسات العدلية خلال الحرب دفع المحامين إلى البحث عن آليات وبدائل قانونية ومجتمعية لتسوية النزاعات داخل قطاع غزة، بما يضمن، قدر الإمكان، حماية حقوق الأطراف والحد من تفاقم الخلافات".
وشملت هذه البدائل، كما يوضح، التسوية الودية والتحكيم والوساطة والاستعانة برجال الإصلاح والوجهاء، مضيفًا: "هذه الآليات أسهمت في معالجة عدد كبير من الخلافات في وقت تعذر فيه اللجوء إلى القضاء النظامي بصورته الطبيعية".
كان ذلك أشبه بمحاولة إبقاء باب موارب للعدالة في مدينة أغلقت الحرب كثيرًا من أبوابها -كما يصف- لكن الباب الموارب لا يمكن أن يصبح باب محكمة، "فالوساطة قد تهدئ نزاعًا على ملكية، والتحكيم قد يساعد في خلاف يسمح القانون بتسويته بهذه الوسيلة، ورجل الإصلاح قد يمنع خصومة عائلية من التحول إلى ثأر، لكن أحدًا من هؤلاء لا يملك سلطة التوقيف، ولا يصدر حكمًا جزائيًا في جريمة قتل، ولا يحل محل النيابة العامة أو المحكمة في ملاحقة جريمة".
"لا إعفاء لمجرد تأخر إجراءات الملاحقة"
والأصل الدستوري نفسه واضح في هذا الشأن؛ فالقانون الأساسي المعدل ينص في المادة (30) على أن التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل فلسطيني حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، فيما تنص المادة (97) على استقلال السلطة القضائية، وتتولى المحاكم، وفق النظام الدستوري، الفصل في المنازعات والجرائم.
كما تنص المادة (107) على أن النائب العام يتولى الدعوى العمومية باسم الشعب الفلسطيني، بما يعني أن الملاحقة الجزائية ليست شأنًا عشائريًا أو فرديًا، وإنما وظيفة من وظائف منظومة العدالة الرسمية.
ومن هنا، يصبح تعطّل المؤسسات أكثر من مشكلة إدارية، فهو يمس حق الناس في الوصول إلى العدالة ذاتها.
ويؤكد المختص بالقانون الجنائي الدكتور معتز الأغا، بدوره، أن المسؤولية عن الأفعال الجنائية لا تختفي لمجرد أن المجتمع يعيش حربًا أو أن مؤسسات العدالة تواجه ظروفًا استثنائية، "فالفعل يبقى خاضعًا للقانون، والمسؤولية لا تتحول تلقائيًا إلى إعفاء لمجرد أن إجراءات الملاحقة قد تتعطل أو تتأخر" يقول.
لكن الأغا يلفت إلى أن ظروف كل واقعة يجب أن تدرس بصورة منفصلة، وأن المحكمة هي التي تملك -في إطار القانون- تقدير العقوبة وظروفها، وهنا تحديدًا تبرز أهمية المادة (42) من قانون العقوبات، التي تتصل بصلاحية المحكمة في تقدير الحكم ضمن الحدود التي يرسمها القانون.
أما الحرب، فلا ينبغي تحويلها إلى عذر شامل يمحو المسؤولية عن الجرائم، كما لا يجوز في المقابل تجاهل الظروف القاسية التي قد تحيط ببعض الأفعال عند تقدير المسؤولية والعقوبة، وبين الأمرين، تبقى المسألة مرتبطة بوقائع كل قضية وأدلتها وطبيعتها.
ويشير الأغا إلى أن الجرائم التي تستغل الفوضى، كالنهب والسرقة والاعتداء على الممتلكات أو المساعدات، أو جرائم القتل التي يثبت فيها القصد، لا ينبغي أن تختلط بالوقائع التي قد تنشأ في ظروف قاهرة، فلكل فعل وصفه القانوني، ولكل جريمة عناصرها التي يجب إثباتها.
"من أمن العقاب أساء الأدب"
أما الدكتور لؤي أبو عون، المختص في الشأن القانوني، فيختصر المعادلة بجملة واحدة: "لا إفلات كامل من العقاب، ولا قسوة كاملة تتجاهل الحرب. القانون يجب أن يكون إنسانيًا ورادعًا في آن واحد".
لكن كيف وصل المجتمع إلى هذه النقطة؟ يستشهد أبو عون بالقاعدة العامة: "من أمن العقاب أساء الأدب"، قائلًا: "حين يتراجع الردع، تتسع المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها من يعتقد أن أحدًا لن يسأله عمّا فعل". لكن الأمر، كما يستدرك، لا يتعلق بالشرطة وحدها، فالجريمة تتغذى كذلك من الاقتصاد المنهك، والضغط النفسي، والتفكك الاجتماعي، وانعدام الأمان.
وغزة، في نظره، حالة أكثر تعقيدً، "فالحرب لم تضرب البيوت والمستشفيات والأسواق فحسب، بل أضعفت أيضًا المؤسسات التي يفترض أن تحمي المجتمع وتفرض النظام وتلاحق الجرائم. وفي الوقت ذاته، تراكمت على الناس ضغوط اقتصادية ونفسية واجتماعية غير مسبوقة" يردف.
ويضع أبو عون هذه المعادلة في صورة أكثر بساطة: "الظروف الاقتصادية والنفسية هي البنزين، وغياب الشرطة والقضاء هي عود الكبريت. لو عندك بنزين بدون كبريت، أو كبريت بدون بنزين، لن يكون هناك حريق. لكن في غزة اجتمع الاثنان معًا، فكان الحريق الهائل بارتفاع مستويات الجريمة". ولذلك، فإن استعادة القانون لا تبدأ فقط بإعادة بناء مبنى محكمة.
ماذا سيحدث إذن للقضايا التي تراكمت؟ ومن سيحقق في الجرائم التي وقعت خلال سنوات الحرب؟ ومن يضمن ألا يتحول التأخير إلى نسيان؟ يضع أبو عون ثلاث عقبات رئيسية أمام عودة المنظومة القضائية إلى عملها الطبيعي، الأولى سياسية، وتتعلق بطبيعة أي حكومة قادمة، والصلاحيات التي ستمنح لها، وقدرتها الفعلية على بسط نفوذها على المجتمع الغزي.
ويقول: "هذه المسائل مرتبطة بتفاهمات واتفاقيات سياسية لم تُحسم بعد، بدءًا من مصير حكومة غزة الحالية، مرورًا بصلاحيات أي حكومة تكنوقراط محتملة، وصولًا إلى الدور المحتمل لـ"مجلس السلام" والقوات الدولية".
والثانية مادية، إذ أن معظم مقرات المحاكم والشرطة والنيابة، دُمرت كليًا أو جزئيًا، ما يعني أن إعادة تشغيل المنظومة القضائية تحتاج إلى إعادة بناء بنيتها التحتية.
أما الثالثة فهي بشرية، حيث أن غياب الكادر الوظيفي المؤهل يضيف فجوة أخرى.
ويتحدث أبو عون عن ما يتردد حول عدم النية في إشراك موظفي السلطة أو الحكومة الحالية، بينما بلغ بعض هؤلاء سن التقاعد، واستشهد آخرون، وغادر آخرون قطاع غزة.
قضاء عشائري ولجنة مصالحة وطنية
ومع ذلك، فإن إعادة فتح المحاكم، مهما كانت ضرورية، لن تكون كافية وحدها -يزيد- فالعدالة التي تأتي بعد سنوات من الانتظار تحتاج إلى ترتيب أولوياتها. ولهذا يقترح أبو عون إنشاء محاكم طوارئ للقضايا المتراكمة والمستعجلة، وتحويل القضايا المدنية البسيطة إلى الصلح القضائي أو العشائري حيث يسمح القانون، لتخفيف الضغط عن المحاكم، إلى جانب بحث عفو مشروط عن بعض الجرائم البسيطة التي ارتبطت بحالات الضرورة والجوع، مثل سرقة الطعام، مع رد الحقوق أو التعويض عنها.
كما يقترح تعزيز دور القضاء العشائري في الخلافات البسيطة، وتشكيل لجنة مصالحة وطنية حقيقية لمعالجة قضايا النهب والثأر التي وقعت خلال الحرب، بالتوازي مع بناء الثقة بالمنظومة العدلية من خلال الشفافية والحياد وسهولة الوصول إلى القضاء.
لكن المصالحة لا ينبغي أن تتحول إلى طريق لإغلاق ملفات الجرائم الخطيرة بعيدًا عن القانون، فحين يتعلق الأمر بجريمة قتل أو اعتداء جسيم أو جريمة تستوجب الملاحقة العامة، فإن السؤال لا يصبح فقط: هل تصالح الطرفان؟ وإنما، هل يملك المجتمع أصلًا أن يتنازل عن حقه في الملاحقة؟
ويشير القانون الأساسي الفلسطيني إلى أن الاعتداء على الحقوق والحريات العامة التي يكفلها القانون الأساسي هو جريمة، وتنص المادة (32) على أن الدعوى الجنائية والمدنية الناشئة عن هذه الاعتداءات لا تسقط بالتقادم، مع ضمان تعويض عادل لمن وقع عليه الضرر.
وهذه المادة تمنح مفهوم "العدالة المؤجلة" في غزة بعدًا آخر، فتعطل المؤسسة لا يعني، من حيث المبدأ، محو الحق.
لكن من المهم التفريق قانونيًا بين عدم سقوط بعض الدعاوى بالتقادم وفق نص خاص، وبين القول (إن جميع الجرائم والعقوبات لا تسقط بالتقادم). فالتقادم له أحكام تفصيلية في قانون الإجراءات الجزائية، كما أن التعديلات التي صدرت عام 2022م بشأن مدد تقادم العقوبات أُلغيت صراحة لاحقًا، ولذلك لا يصح الاستناد إليها بوصفها القانون النافذ اليوم.
وبهذا المعنى، لا يمكن أن تكون الحرب صفحة بيضاء تكتب فيها الجريمة ما تشاء. يكمل أبو عون بقوله: "مؤسسات إنفاذ القانون لا يحق لها التخلي عن وظيفتها الأساسية في الملاحقة القضائية؛ لأن ترك الجرائم دون متابعة يبعث برسالة خطيرة مفادها أن زمن الحرب يعني أن يفعل الإنسان ما يشاء دون حسيب أو رقيب".
لكنه يقر في الوقت نفسه بأن تراكم القضايا خلال سنوات الحرب يجعل من المستحيل فتحها جميعًا دفعة واحدة، ولهذا، يرى أن الأولوية يجب أن تمنح للقضايا التي لا تحتمل التأجيل، بينما يمكن أن تنتظر قضايا أخرى، وقد تجد بعض النزاعات البسيطة طريقها إلى الصلح حيث يسمح القانون بذلك.
إذن، السؤال الذي بات يطرح اليوم نفسه في غزة ليس "هل يعود القانون؟" بل "كيف يعود؟" وكيف يعود إلى المواطن ذلك الشعور البسيط بأن حقه لا يحتاج إلى قوة تحميه، وأن خلافًا على جالون ماء لن ينتهي بجنازة، وأن الهاتف الذي سُرق منه يمكن أن يكون له طريق قانوني لاستعادته، وأن امرأة مثل "هـ.أ" لم تمت هكذا بلا جواب.
في مدينةٍ أنهكتها الحرب، قد يكون أخطر ما خلفته سنوات الدم أن يعتاد الناس فكرة أن لا أحد سيحاسب، وحين يحدث ذلك لا تعود شريعة الغابة استثناءً.. تُصبح قانونًا آخر.
