حين لا تنتهي مأساة البيت بتدميره.. غزة أمام خسارة من نوع آخر

غزة
غزة

غزة/ البوابة 24- جنين الوادية

تُسقط الطائرات بيتًا في غزة، فيظن الغريب أن المأساة انتهت لحظة انقشاع الغبار، لكن للخرائب تقويمًا آخر؛ فسقوط الجدران لا يعني خسارة مأوى فحسب، وإنما ضياع سنوات من العمل والادخار والدين، فيما تبقى الأقساط معلقة في ذمة أصحابها.. هكذا تصف ضحى ماجد مأساتها.
كانت ضحى (33 عامًا)، وهي أم لطفلين وربة منزل، تعيش مع زوجها في بيت العائلة، وكان دخل الأسرة يعتمد على عمله مهندسًا في إحدى شركات المقاولات، لسنوات، ظل امتلاك منزل مستقل حلمًا ينتظران القدرة على تحقيقه.

تتحدث أنها في عام 2020، وجدت شقة تُباع بالتقسيط فقررت خوض المغامرة، باعت مصاغها الذهبي، واستدانت ما ينقصها لتوفير الدفعة الأولى، التي بلغت 12 ألف دولار، ثم بدأت تسديد 300 دولار شهريًا لمدة سبع سنوات.

وتضيف: "لم يكن شراء الشقة نهاية الحلم؛ فبعد حسم الصفقة دخلنا مرحلة أخرى وهي تشطيب البيت وتجهيزه. ورغم استمرار أقساط العقار والضائقة المالية، بدأنا أعمال التشطيب مطلع عام 2023، واخترنا تفاصيله بعناية".

في فبراير/شباط 2023، انتقلت ضحى إلى الشقة بعد سنوات من الانتظار والادخار، لتعيش أخيرًا في المنزل الذي أرادته لها ولزوجها، لكن تلك الفرحة لم تدم سوى أشهر قليلة، قبل أن تقلب الحرب تفاصيل حياتها.

اندلعت الحرب، واضطرت الأسرة إلى النزوح عن منزلها، وخلال هدنة، عادت لتفقد الشقة، فوجدتها متضررة لكنها ما تزال قائمة، لم تلبث أن نزحت مرة أخرى، قبل أن يأتي سبتمبر/أيلول عام 2025 بالخبر الذي أنهى الحلم.

تتابع: "دُمّرت العمارة التي تقع فيها شقتنا بالكامل، واختفى المنزل الذي انتظرته سنوات. لكن سقوط المبنى لم يسقط معه الدين؛ فقد كان لا يزال في ذمتها نحو 15 ألف دولار من ثمن الشقة، بشيكات تلزمنا بمواصلة السداد، رغم أن العقار الذي دفعنا من أجله لم يعد موجودًا".

وتصف بمرارة: "إن أكثر ما يؤلمني ليس فقدان البيت وحده، وإنما دفع ثمن عقار لا نعرف إن كان سيُعاد بناؤه أصلًا".

ماذا لو لم تسددوا؟ تجيب ضحى أن صاحب البناية يبتزهم بالشيكات، يهددهم باستمرار بحال لم يتم الدفع فإنه سيتوجه بها إلى الجهات الأمنية، وتزيد هنا: "ثلث الراتب يذهب للسداد، والمتبقي لإيجار المنزل الذي نسكنه حاليا ومصاريف أطفالي ومستلزمات المأكل والمشرب".

ينتهي دخل الأسرة، وفق السيدة، في منتصف الشهر تقريبًا، فلا تجد أمامها لتغطية بقية احتياجاتها سوى الاستدانة، هكذا لم يعد المنزل الذي كان يفترض أن يمنح الأسرة استقرارًا عبئًا سكنيًا فقط، بل دينًا مستمرًا بعد زواله.

راتب يُقتطع لبيت صار ركامًا

في قصة مصطفى سنونو، 61 عامًا، يأخذ العبء المالي شكلًا آخر، اشترى شقته في "برج الحساينة" بمنطقة دوار الدحدوح عام 2016 بالتقسيط، بقسط شهري بلغ 630 دولارًا، على مدى 15 عامًا.

يقول إنه وأسرته عاشوا في الشقة نحو سبع سنوات، بعد تشطيبها وتجهيزها كما أحبت العائلة أن يكون منزل العمر، قبل أن تضطره الحرب الإسرائيلية إلى تركها، كان قد أمضى سنوات في دفع ثمنها، ظنًا منه أن ما ينفقه سيبقى استثمارًا في بيت يؤويه.

لكن البرج الذي كان يضم نحو 104 شقق دمُر بالكامل نتيجة القصف الإسرائيلي، وعندما انهار المبنى، كان لا يزال متبقيًا على مصطفى تسع سنوات من الأقساط، لتبقى علاقته المالية بالشقة قائمة، رغم زوال العقار الذي اشتراه.

يروي بأن المطالبات لم تتوقف بعد تدمير البرج، بل أصبح جزء من القسط يُقتطع شهريًا ومباشرة من راتبه التقاعدي، ومع تراجع دخله إلى نحو نصف راتبه الأصلي، صار الخصم أثقل على قدرته في تدبير معيشته.

ويكمل: "نعيش اليوم في شقة مستأجرة بمنطقة تل الهوا، وبين الإيجار ومصاريف المعيشة ومتطلبات المدارس، أحاول تدبير احتياجات أسرتي بما يتبقى من راتبي. في الوقت نفسه، يستمر اقتطاع قسط شقة لم تعد قائمة".

يرى الرجل أن الخسارة ثقيلة على قلبه، بين مكان عاش فيه سنوات اجتمع فيه بأحلى المواقف وأمرها مع عائلته، وبين مأساة اقتطاع جزء من راتبه ثمن عقار مدمر ولا أفق من إعادة بنائه، ومع انخفاض دخله، أصبح الاستدانة وسيلته لتغطية ما تعجز عنه موارده.

ويقدّر تقييم مشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي أن 371,888 وحدة سكنية دُمّرت أو تضررت، بما يعادل نحو 76.6% من إجمالي المساكن في قطاع غزة.

قسط العقار.. والسكن في خيمة

تبدو المفارقة أكثر قسوة لدى سعيد محمد، 38 عامًا، والمعيل لأسرة من سبعة أفراد، إذ انتقل سعيد من منزل كان يعيش فيه مع والده وعائلته إلى خيمة في ميناء الصيادين، بعد أن فقد البيت الذي اشتراه بالتقسيط.

قبل الحرب، كان سعيد يعمل كهربائيًا بدخل ثابت، ما سمح له عام 2019 بشراء منزل بالتقسيط، اتفق على قسط سنوي قدره خمسة آلاف دولار لمدة سبع سنوات، وكان قادرًا حينها على الوفاء بالتزاماته من دخله المنتظم.

لكن الحرب قُصفت البيت في أيامها الأولى، وانتهى معه الاستقرار الذي بناه بالتدريج، مؤكدًا أنه عند تدمير المنزل، كان لا يزال متبقيًا عليه نحو 10 آلاف دولار.

يقول إنه فقد عمله المنتظم بعد الحرب، وأصبح يعتمد على أعمال متقطعة لا توفر له دخلًا ثابتًا، بل بالكاد تغطي الأجور التي يحصل عليها الطعام ومصاريف والده وأسرته، فيما يبقى القسط التزامًا لا يملك القدرة نفسها على الوفاء به.

ويشرح: "في بعض المرات، اضطررت إلى الاستدانة ودفع مبالغ بسيطة لصاحب الشقة الذي يلاحقني ويتسبب لي بالمشاكل، في محاولة لكسب مزيد من الوقت".

ومع كل موعد للدفع، يخبرنا أنه يواجه سؤالًا يؤرق ليله ونهاره، "كيف سأقوم بتأمين احتياجات أسرتي اليومية، ويسدد في الوقت ذاته دين المنزل؟"

أزمة اقتصادية واجتماعية

 ويرى أحمد أبو قمر، المختص في الاقتصاد، بأن قضية الأقساط خلال المرحلة الحالية أصبحت من أكثر الملفات تعقيدًا، خصوصًا تلك المرتبطة بالشيكات والالتزامات المالية، مشيرًا إلى أن استمرار الالتزام بها بعد حرب الإبادة يحتاج إلى إعادة نظر، في ظل التغيرات الكبيرة التي طرأت على الوضع الاقتصادي للسكان.

ويوضح أن انخفاض معدلات الدخل وارتفاع البطالة والفقر، إلى جانب تدمير الممتلكات وتراجع قدرة المواطنين على العمل، جعلت الالتزام بالأقساط بالشكل السابق أمرًا بالغ الصعوبة، معتبرًا أن المعالجة لا ينبغي أن تقتصر على الجانب القانوني فقط، بل يجب أن تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، بما يضمن وجود آلية عادلة بين الدائن والمدين.

ويشير إلى أن استمرار خصم الأقساط من بعض المواطنين أو الكفلاء زاد من الضغوط المالية والاجتماعية، خصوصًا عندما يكون المدين غير قادر على السداد، لافتًا إلى أن المواطن الذي فقد منزله أو لم يستفد منه سوى لفترة قصيرة أصبح أمام التزامات أخرى أكثر إلحاحًا، من الإيجار والطعام والمياه والملبس والتعليم، ما يجعل قدرته على الاستمرار في دفع قسط عقار مدمّر أكثر صعوبة.

كما يطرح أبو قمر ضرورة وجود إطار قانوني ورسمي ينظم هذه الالتزامات، بحيث لا يتحمل طرف واحد كامل الخسارة، ويرى أن البنوك ومؤسسات الإقراض وسلطة النقد يمكن أن يكون لها دور في إيجاد حلول، من بينها مبادرات حقيقية لتخفيف الأعباء عن المتضررين، بدل الاكتفاء بتأجيل الأقساط الذي قد يضيف أعباء مالية أخرى.

ومن الجدير ذكره، أن أكثر من 60% من سكان قطاع غزة فقدوا منازلهم، فيما بلغ عدد النازحين نحو 1.9 مليون شخص، كثير منهم اضطروا إلى النزوح أكثر من مرة؛ ما جعل فقدان البيت في غزة أزمة سكن ومعيشة، لا خسارة عقارية فحسب. وذلك وفق التقييم المشترك للأضرار والاحتياجات في قطاع غزة، الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في أبريل/نيسان 2026.

البوابة 24