شكك باحث إسرائيلي بارز في صحة الرواية المتداولة داخل الأوساط السياسية والأمنية في تل أبيب بشأن تشكل ما يسمى بـ"محور سني" جديد يستهدف إسرائيل، معتبراً أن جزءاً من هذه التصورات يقوم على افتراضات لم تثبت صحتها، وأن من بينها مزاعم تتعلق بوجود نوايا هجومية مصرية تجاه إسرائيل.
وطرح الدكتور مايكل ميلشتاين الباحث في مركز ديان بجامعة تل أبيب، في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تساؤلات حادة حول الطريقة التي تتعامل بها القيادة الإسرائيلية مع التهديدات الإقليمية، محذراً من أن بعض الفرضيات تتحول إلى ما يشبه الحقائق المتداولة رغم غياب الأدلة الكافية عليها.
"محور سني" بلا مقومات حقيقية
يرى ميلشتاين أن الحديث المتزايد عن تشكل محور سني تقوده تركيا ويضم قطر وسوريا وحماس مع احتمالية إدراج دول أخرى مثل باكستان والسعودية، لا يستند إلى مقومات كافية لوصف هذا التجمع بأنه "محور" بالمعنى السياسي والعسكري.
وأوضح أن وجود أي محور يتطلب رؤية مشتركة وأهدافاً واضحة إلى جانب اعتراف الأطراف نفسها بعضويتها فيه وتعاوناً وثيقاً خصوصاً على المستوى العسكري، بالإضافة إلى وجود آليات للحوار واتخاذ القرارات المشتركة، وبحسب الباحث فإن هذه العناصر لا تبدو متوافرة بصورة واضحة في التشكيل الذي يجري تقديمه داخل إسرائيل باعتباره محوراً سنياً جديداً.
من "محور المقاومة" إلى عدو جديد
وينتقد ميلشتاين التقييم الإسرائيلي القائل إن المحور السني الجديد جاء ليملأ الفراغ الذي خلفه تراجع "محور المقاومة" بقيادة إيران، مشيراً إلى أن هذا المحور، رغم تعرضه لضربات كبيرة خلال الحرب، لم يختفِ بالكامل، بل بدأ يستعيد جزءاً من قدراته.
ويرى أن تصوير التطورات الإقليمية باعتبارها انتقالاً مباشراً من تهديد إلى آخر قد يعكس رغبة في تبسيط المشهد المعقد، بدلاً من التعامل معه وفق حسابات سياسية وأمنية أكثر دقة.
مزاعم النوايا الهجومية المصرية تحت المجهر
ومن بين الفرضيات التي انتقدها الباحث الإسرائيلي، ما يتعلق بالحديث عن وجود نوايا هجومية مصرية تجاه إسرائيل، ويضع ميلشتاين هذه الفرضية ضمن سلسلة من التصورات التي انتشرت في الخطاب الإسرائيلي منذ هجوم السابع من أكتوبر، معتبراً أن بعضها ثبت لاحقاً عدم دقته، لكنه استمر رغم ذلك في التأثير على طريقة فهم الجمهور الإسرائيلي للواقع الإقليمي.
ويرى الباحث أن استمرار تداول مثل هذه الفرضيات دون نقاش جاد قد يؤدي إلى تكوين صورة مشوهة عن طبيعة التهديدات المحيطة بإسرائيل، ويجعل الرأي العام أكثر تقبلاً لقرارات عسكرية وسياسية بالغة الخطورة.
تركيا.. تهديد حقيقي أم مبالغة إسرائيلية؟
ويقر ميلشتاين بوجود خلافات عميقة بين حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وإسرائيل، لكنه يتساءل في الوقت نفسه عن مدى واقعية تصوير تركيا باعتبارها "التهديد الاستراتيجي الجديد" الذي لا مفر من مواجهته عسكرياً.
كما طرح تساؤلات حول الضربة الإسرائيلية الأخيرة في شمال سوريا، والتي قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إنها حملت رسالة إلى تركيا، متسائلاً عما إذا كانت المواجهة العسكرية هي الخيار الوحيد، وما إذا كانت إسرائيل درست بصورة كافية تداعيات فتح جبهة جديدة مع أنقرة على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية.

تحذير من فتح جبهة جديدة
ويحذر الباحث من أن إسرائيل تخاطر بتوسيع دائرة المواجهة في وقت لا تزال فيه عدة جبهات مفتوحة منذ أكتوبر 2023، مشدداً على ضرورة تقييم أي خطوة جديدة في ضوء الأعباء التي تتحملها المؤسسة العسكرية بالفعل.
ويرى أن فتح جبهة إضافية قد يؤدي إلى تشتيت الموارد والاهتمام الاستراتيجي، خصوصاً مع استمرار التحديات المرتبطة بإيران وبرنامجها النووي، الذي يعتبره من الملفات التي يفترض أن تحظى بأولوية أكبر.
انتقاد ثقافة "البحث الدائم عن الأعداء"
وانتقد ميلشتاين ما وصفه بخطاب سياسي وأمني يقوم على البحث المستمر عن أعداء جدد، محذراً من أن هذا النهج قد يؤدي إلى ترسيخ فكرة الحرب الدائمة داخل المجتمع الإسرائيلي.
وبحسب رؤيته، فإن تضخيم المخاوف الوجودية يمكن أن ينتج مجتمعاً أكثر انغلاقاً على النقد، وأقل استعداداً لمراجعة القرارات الأمنية والسياسية فضلاً عن زيادة الاعتقاد بإمكانية فرض أي خيار عسكري بالقوة.
الانتخابات تزيد حساسية الخطاب السياسي
ويرى الباحث أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية قد يزيد من احتمالات توظيف المخاوف الأمنية في الخطاب السياسي، عبر التركيز على تحديد أعداء جدد وتعبئة الجمهور خلف سرديات أكثر حدة.
ولهذا، دعا إلى طرح أسئلة صعبة بشأن مدى حقيقة التهديد التركي، وما إذا كان "المحور السني" الذي تتحدث عنه الأوساط الإسرائيلية موجوداً بالفعل، محذراً من اعتبار أي انتقاد للسياسات الرسمية دليلاً على الضعف أو عدم الوطنية.
وتكشف قراءة ميلشتاين عن خلاف داخل إسرائيل نفسها بشأن طريقة تفسير التحولات الإقليمية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من أن يؤدي تضخيم التهديدات أو بناء فرضيات غير مؤكدة إلى قرارات توسع دائرة الصراع بدلاً من الحد منها.
