تتصاعد داخل إسرائيل حالة من الجدل السياسي والأمني بشأن طريقة التعامل مع محاضر الاجتماعات والوثائق السرية المرتبطة بالحرب، في وقت تقترب فيه الانتخابات المقبلة وسط اتهامات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باستخدام بعض الوثائق والاقتباسات بصورة انتقائية لتدعيم روايته السياسية وتوجيه المسؤولية بعيدًا عن حكومته.
ويزداد هذا الجدل حدة مع استمرار غياب لجنة تحقيق حكومية رسمية تتولى فحص إخفاقات أحداث السابع من أكتوبر، مما جعل البروتوكولات السرية ومحاضر اجتماعات القيادات السياسية والأمنية محورًا لصراع متصاعد داخل إسرائيل.
آيزنكوت يطالب بكشف الصورة كاملة
وفي خضم الخلاف، دعا غادي آيزنكوت، عضو مجلس الحرب السابق والمرشح لرئاسة الوزراء، إلى نشر محاضر اجتماعات مجلس الحرب بصورة كاملة، معتبرًا أن إتاحة الوثائق للرأي العام يمكن أن تساعد في كشف التسلسل الكامل للقرارات التي اتُخذت خلال الحرب، وجاءت مطالبة آيزنكوت في أعقاب انتقادات وجهها نتنياهو إلى خصومه واتهمهم فيها بالمساهمة في تعطيل قرارات وتحركات عسكرية مهمة.
ورد آيزنكوت على هذه الاتهامات بالتأكيد على أنه دعم العمليات العسكرية في رفح وقطاع غزة، كما كان من الداعين إلى اتخاذ موقف أكثر حزمًا تجاه إيران، بينما اتهم نتنياهو بالتردد في بعض القرارات وإحالتها إلى أطر وزارية مصغرة.
لماذا أثارت الوثائق كل هذا الغضب؟
يرتبط جانب كبير من الأزمة بما تصفه أوساط سياسية وأمنية إسرائيلية بانتقائية عرض الوثائق السرية، خصوصًا عندما تستخدم اقتباسات منفصلة من محاضر أو تقييمات استخباراتية لإسناد رواية سياسية محددة.
وبرز الخلاف بصورة أكبر بعد رد نتنياهو المؤلف من 55 صفحة، على أسئلة مراقب الدولة ماتانياهو إنجلمان، إذ تضمن الرد مقتطفات من تقييمات استخباراتية ومحاضر سرية وهو ما فتح الباب أمام انتقادات بشأن طريقة اختيار المعلومات التي أُخرجت إلى العلن.

ووصف مسؤول أمني سابق الوثيقة بأنها تعكس رواية أحادية الجانب تسعى إلى تقليل مسؤولية القيادة السياسية وإلقاء الجزء الأكبر من المسؤولية على الأجهزة الأمنية، بينما رأى مسؤولون آخرون أن رفع السرية عن بعض المواد ونشرها بهذه الطريقة يمثل سابقة مثيرة للقلق.
بروتوكولات مشددة للتعامل مع المعلومات السرية
وتخضع المحاضر والوثائق الأمنية في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لإجراءات محددة تتعلق بالتسجيل والتفريغ والحفظ والتداول، فالمداولات الرسمية والاجتماعات الأمنية تسجل وتفرغ في وثائق مكتوبة بواسطة موظفين مختصين، قبل مراجعتها من الجهات المعنية، كما تحفظ الملفات وفق تصنيفات زمنية وموضوعية، ويُفترض أن يتم تداول النسخ السرية عبر قنوات محددة ومراقبة.
وتشمل الإجراءات كذلك توثيق عملية تسليم الوثائق للمسؤولين مع فرض قيود على تصوير المستندات أو نسخها خارج الأطر المسموح بها، أما تعديل المحاضر فيفترض أن يخضع لمسار رسمي، ولا يملك المسؤولون صلاحية تغيير محتوى الوثيقة بصورة منفردة بل ترفع الملاحظات والاعتراضات عبر القنوات المعتمدة.
تحذيرات سابقة تعيد الملف إلى الواجهة
ولا يتوقف الجدل عند التطورات الحالية، إذ تشير الوثائق إلى أن المستشارة القانونية للحكومة غالي بهاراف ميارا، ونائبها جيل ليمون، سبق أن وجها تحذيرات إلى مجلس الأمن القومي وجهاز الشاباك منذ نوفمبر 2023، شددا فيها على ضرورة الالتزام بالقواعد القانونية الخاصة بالمداولات والمواد الحساسة.
وجاءت تلك التحذيرات في أعقاب تقارير تحدثت عن محاولات لجمع ملخصات سرية لاجتماعات حكومية من جانب مسؤولين في مكتب رئيس الوزراء، وهو ما أثار تساؤلات حول حدود صلاحيات المسؤولين في التعامل مع الوثائق الأمنية ورفع السرية عنها.
ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، يتحول ملف البروتوكولات السرية تدريجيًا إلى ورقة سياسية شديدة الحساسية، إذ لم يعد الخلاف يدور فقط حول ما حدث في 7 أكتوبر، بل أيضًا حول من يملك الرواية التي سوف تعرض على الجمهور، وكيف جرى اختيار الوثائق التي وصلت إليه.
