بين الركام وغياب أدوات برايل.. طلبة مكفوفون في غزة يصارعون من أجل مقعد دراسي

صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- غادة زملط:

تحتضن زين الدلو آلةً حديدية صغيرة، كما لو أنها تحتضن ما تبقّى لها من عامها الدراسي. الآلة، التي نجت من بين أدواتها الخاصة، قطعت معها طرق النزوح من مكان إلى آخر، حتى انتهت بها الحال في خيمة على أرض ملعب اليرموك، غرب مدينة غزة. وبين يديها اليوم أوراق قليلة تحاول أن تملأ مكان الكتب المدرسية التي غابت عنها.

ومع عودة التعليم في غزة، بدأت زين تبحث عن نقطة تعليمية يمكنها الالتحاق بها ومتابعة دراستها، غير أن محاولاتها لم تفضِ إلى مقعد دراسي.

تقول زين: كنت أتابع إعلانات النقاط التعليمية وأتواصل مع إداراتها عبر الهاتف للاستفسار عن إمكانية الالتحاق ومتابعة الدراسة، لكنهم كانوا يرفضون. وتوضح أن الرفض كان مرتبطًا بعدم قدرة المدرسين على التعامل مع الطلبة من ذوي الإعاقة البصرية، إلى جانب شعورهم بأن وجود طالبة كفيفة يحمّلهم مسؤولية إضافية.

وتضيف بنبرة حزينة: لم تكن مشكلتي في الرفض بذاته، بل في الطريقة والأسلوب الذي كنت أتلقى به الرفض.

زين الدلو.JPG
 

وبعد محاولات حثيثة، التحقت زين في الصف العاشر بنقطة تعليمية، كانت تقطع إليها برفقة والدتها مسافات طويلة عبر طرق مدمرة، حاملةً آلة كتابة برايل التي بقيت من مقتنياتها خلال رحلة النزوح.

وفي العام التالي، انتقلت إلى مدرسة خاصة، لكن التحدي لم ينتهِ عند الوصول إليها، إذ غابت مقومات التعليم الدامج داخل الصف. وتستدرك: للأسف، المعلمون لم يتعاونوا بدرجة كبيرة، وحتى عند تقديم الاختبارات كنت أضطر لاصطحاب والدتي لتكتب لي.

وبينما تحاول زين التمسك بطموحها في إتمام الثانوية العامة، تصطدم بنقص المستلزمات التعليمية، ولا سيما أوراق برايل ووسائل تلخيص المنهج، تقول: لا كتب متوفرة ولا طابعات برايل، والمشكلة الآن في إيجاد الأوراق الخاصة بآلة برايل.

وتتشابه معاناة زين في توفير مستلزمات الدراسة مع محمد علوان، الذي توقّف عن التعليم ثلاث سنوات بعدما دُفنت أدواته التعليمية تحت الركام. يقول والده: بمجهود أسري، حاولنا مساعدة محمد على تعويض الفاقد التعليمي وترفيعه آليًا بعد انقطاعه عن الدراسة لثلاث سنوات.

وفي ظل غياب مصادر تعلم بديلة، تتابع والدة محمد دروسه عبر منصة التعليم الإلكتروني بشكل شفهي، بحسب توافر خدمة الإنترنت، يضيف والده.

محمد علوان.JPG
 

ولا تقتصر هذه المعاناة على محمد؛ إذ تُعدّ تجربته وزين مثالًا على صعوبة مواصلة الطلبة ذوي الإعاقة البصرية تعليمهم في ظل ظروف الحرب. ووفق المرشدة التربوية والنفسية في مدرسة النور والأمل الثانوية المشتركة، دعاء بشير، فإن نحو 70 طالبًا وطالبة انقطعوا عن الدراسة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد أن دُمّرت المدرسة كليًا خلال الحرب.

وتوضح بشير أن استمارة أُجريت مطلع العام الجاري لحصر أعداد الطلبة المكفوفين سجّلت نحو 80 طالبًا وطالبة، إلا أن الرقم لا يزال غير دقيق، ولا يشمل الطلبة الذين فقدوا بصرهم جراء إصابات تعرضوا لها خلال الحرب.

وفي هذا السياق، يشير مدير مديرية التربية والتعليم في المحافظة الوسطى، محمد حمدان، إلى صعوبة توفير بديل مناسب لهؤلاء الطلبة، في ظل الحاجة إلى تجهيزات تقنية وأدوات مساندة خاصة لم تعد متوفرة، إلى جانب تعذّر تأمين وسائل نقل تقلّهم إلى أماكن التعليم.

ويضيف: في الوقت الحالي، نتعامل مع الطلبة عبر التعليم عن بُعد، مع إمكانية الالتحاق بالنقاط التعليمية لمن يرغب في ذلك.

ولم يُجب حمدان عن استفسار مُعدّة التقرير بشأن ما إذا كانت الوزارة قد عمّمت توجيهات لدمج الطلبة من ذوي الإعاقة البصرية ضمن مبادرات النقاط التعليمية، ولا سيما في ظل تعرّض بعضهم للرفض.

فقدان الروتين المدرسي يفاقم الضغوط النفسية لدى الطلبة المكفوفين  

بدورها، تبيّن بشير أن الانقطاع عن الدراسة وفقدان الروتين المدرسي خلّفا آثارًا نفسية وسلوكية واضحة لدى الطلبة المكفوفين، أبرزها الشعور بالضغط والكبت وتراجع الإحساس بالإنجاز. وترى أن ذلك ينعكس على تطور مهاراتهم الذهنية، وعلى نظرتهم إلى أنفسهم وثقتهم بها.

وتضيف: بيئة النزوح غير الملائمة ساهمت في زيادة العزلة وعدم القدرة على ممارسة حياتهم اليومية باستقلالية.

وتوضح بشير أنه رغم محاولات مساعدة الطلبة من ذوي الإعاقة البصرية على التكيف، من خلال التنسيق مع بعض المبادرات التعليمية ومتابعة الدروس المسجلة والتعليم الإلكتروني، فإن ضعف إلمام المدرسين باستراتيجيات التعليم الدامج ومحدودية تكييف الأنشطة، إلى جانب فقدان الأدوات المساندة، فاقم شعور الطلبة بالتوتر والعجز مقارنةً بأقرانهم من غير ذوي الإعاقة.

انقطاع التعليم يعمق العزلة 

ويرى الأخصائي الاجتماعي الدكتور عرفات حلّس أن التحديات التي خلفتها الحرب، إلى جانب تدمير المنشآت الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، انعكست سلبًا على حياتهم الاجتماعية والنفسية.

ويتابع:" كانت المدارس تمثل حاضنة رحبة للأشخاص ذوي الإعاقة توفر فرصًا لبناء العلاقات والتقارب والتعارف والالتزام بمتابعة الدروس". 

ويحذر الدكتور حلّس من خطورة استمرار انقطاع الطلبة ذوي الإعاقة عن التعليم، إذ يعزز الانسحاب الاجتماعي، وينعكس على سلوكياتهم ومهاراتهم ونظرتهم إلى الحياة والأمل بالمستقبل.

ويؤكد حلّس أن غياب الخدمات والأدوات المساعدة لا ينبغي أن يكون مبررًا لإهمال احتياجات الطلبة ذوي الإعاقة البصرية، داعيًا المؤسسات الحكومية والدولية والأهلية إلى إيلاء هذه الفئة مزيدًا من الاهتمام، وإعادة تفعيل برامج الدمج وتقديم الخدمات المتاحة وفق الإمكانات المتوفرة، لافتًا إلى أن هذه الفئة جزءٌ أصيل من المجتمع.

البوابة 24