غزة/ البوابة 24- محمد أبو دون:
كان سطح منزل محمد الخواجا قبل الحرب مساحةً صغيرة للحياة والرفقة؛ كلبان يعتني بهما يوميًا، ويخصص لهما نحو أربع ساعات من وقته، بين الطعام والرعاية والتدريب. وفي أيام الإجازات، كان يصطحبهما إلى شاطئ البحر، فيركضان على الرمل ويتدربان ويلعبان، بينما يقضي محمد وقته معهما.
ثم جاءت الحرب، فتبدلت تلك التفاصيل البسيطة دفعة واحدة. اضطر محمد إلى النزوح جنوبًا، ولم يتمكن من اصطحاب الكلبين معه، تاركًا خلفه رفيقين عاشا معه أربعة أعوام. ومنذ ذلك الحين، تحولت هواية كانت تمنحه المتعة والرفقة إلى ذكرى مؤلمة، لا يزال يتذكرها ويتمنى لو استطاع حملهما معه يوم النزوح.
عودة مجددًا
ويقول في حديث لـ "البوابة24" إنه: "اضطر للتخلي عن الكلبين اللذين رباهما لـ4 أعوام، وتركهما بالشارع لوحدهما ولم يعلم بعد ذلك مصيرهما، لكنه على يقين بأنهما قتلا أو ماتا جوعًا بسبب صعوبة الظروف بشمال قطاع غزة بذلك الوقت"، مبينًا أنه لليوم يتذكرهما ويتمنى لو استطاع حملهما معًا أثناء النزوح.
ويضيف أنه لم يستطع خلال حرب الإبادة ولم يجد وقتًا للعودة لاقتناء كلب أو حيوان أليف آخر لتربيته، بسبب صعوبة ظروف وعدم توفر الطعام والمستلزمات، إضافة لأنه كان يعيش برفقة عائلته ظروف قاسية لم تكن تسمح له بممارسة هوايته التي يعشها منذ الصغر.
قبل 7 شهور، تمكن الشاب مجددًا من اقتناء كلب وعاد ليربيه فوق ما تبقى من سطح منزل عائلته، بعد أن جهزه ليكون مناسبًا لذلك الأمر، ويتابع أنه في "البداية واجه صعوبة بتوفير الطعام والمستلزمات والأدوية، لكن بعد وقت سمح الاحتلال بإدخال ذلك عبر المعابر، وعادت المتاجر التي تتخصص ببيع تلك الأمور لفتح أبوابها من جديد".
ويشير إلى أنه "سعيد جدًا بعودته لممارسة هواية تربية الكلاب وسعيد بتوفر الإمكانيات اللازمة لذلك" موضحًا أن "ذلك منحه فسحة أمل وجعل له متنفس يهرب إليه من ضغوط الحياة وتبعات الحرب المستمرة بغزة".
رسالة إنسانية
تجربة أخرى تروي تفاصيلها الشابة آية الدريملي التي تسكن بحي الدرج وسط مدينة غزة، توضح لـ "البوابة24" أنها عادت لتربية القطط التي انقطعت عنها منذ بداية الحرب بعد توفر الطعام والعلاجات اللازمة لها.
وتقول إنها "كانت تحزن جدًا كلما كانت تشاهد قطة في الشارع بحالة صعبة ولا تستطيع تقديم المساعدة لها، بسبب ظروف الحرب القاسية"، لافتةً إلى أن "العناية والاهتمام بالحيوانات الأليفة يشكل بالنسبة لها رسالة إنسانية كبيرة تعتز بها وكانت قبل حرب الإبادة تعتني بكل القطط الضالة في الشوارع بعد جلبها لمنزلها وتقدم لها الرعاية اللازمة".
وتفاجأت الشابة الدريملي بالأوقات الأخيرة بعودة المتاجر الخاصة ببيع مستلزمات تربية الحيوانات الأليفة للعمل مجددًا بغزة، عن ذلك تتابع حديثها "كان أمر رائع بالنسبة لي، وعلى الفور بدأت البحث عن قطة لتبنيها وحصلت خلال أسبوعين على 3 قطط أعتني بها اليوم وأقدم لهم الرعاية داخل منزلي".
وتحكي "صحيح أن الأسعار ليست كما كانت قبل الحرب، لكن الهواية وحبي لها تستحق لذلك أشتري كل ما يلزم القطط لتكون بأفضل حالة"، وتشير إلى أن "هناك مؤسسات كانت قبل حرب الإبادة توفر الرعاية والمستلزمات لمربي القطط والحيوانات الأليفة مجانًا لكن هذا الأمر انتهى خلال حرب الإبادة".
وتأمل الشابة الدريملي أن تعود الأمور كما كانت وتنخفض الأسعار، وتعود المؤسسات لدعم جميع المهتمين بتربية الحيوانات الأليفة.
إنقاذ ما تبقى
محمد المصري من سكان بيت حانون وينزح حاليًا في وسط قطاع غزة، كان يمتلك محلًا لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، لكنه تدمر بداية حرب الإبادة وخسره بشكل كامل.
يقول لـ "البوابة24": تعطلت عن العمل طوال حرب الإبادة، لكن حينما سمح الاحتلال بإدخال الطعام والمستلزمات عدت للعمل مجددًا داخل خيمة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، لأبيع كل ما يحتاجه مربو الحيوانات الأليفة خاصة القطط والكلاب والطيور.
ووفق حديثه فإن إقبال الناس على الشراء، يعتبر جيدًا وهذا مؤشر على عودة الناس للاعتناء والاهتمام بالحيوانات الأليفة بغزة، رغم ما مروا به من حرب قاسية اعتقدنا خلالها أنها خرجت من دائرة الاهتمام، يتابع المصري.
ومن دوافع المصري لإعادة افتتاح مكان لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، كان ملاحظته لقلة أعداد الحيوانات بقطاع غزة بشكل عام، بسبب الحرب، مشيرًا إلى أنه "أراد المساهمة في إنقاذ ما تبقى منها ومساعدة المربين والهواة بذلك".
من جهته يقول الطبيب البيطري فايز الحداد الذي يعمل بمجال علاج الحيوانات الأليفة وتقديم الرعاية لها داخل عيادة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة إن: "مجال عمله يعاني منذ بدء الإبادة من توفر الأدوات الطبية والأدوية اللازمة لعلاج الحيوانات".
ويبين الحداد خلال حديثه للبوابة 24 إن "المواطنين عزفوا في بداية حرب الإبادة عن تربية الحيوانات الأليفة مثل القطط والكلاب وطيور الزينة وكان نشاط عملهم يتركز مع الحمير والخيول كونها كانت وسيلة نقل بارزة للمواطنين في ظل أزمة الوقود وتدمير الاحتلال لسيارات النقل"، لافتًا إلى أنه "مع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وبدء إدخال بعض المواد الغذائية ومستلزمات الحيوانات الأليفة والمواد الطبية عاد بعض المواطنين لممارسة هوايتهم بالتربية".
ويحكي أن "هواة التربية عادوا لارتياد عيادته البيطرية للحصول على أدوية للقطط والكلاب والطيور وهذا يدل على أن الناس عادت للاهتمام بذلك الأمر"، مشيرًا إلى أن "أهم التحديات التي تواجه قطاع البيطرة بغزة هو عدم توفر المعدات وانقطاع التيار الكهربائي ونقص الأدوية".
