عندما أعلن وزير المالية والتخطيط اسطيفان سلامة أن الحكومة الفلسطينية تدفع فوائد على ديونها بنحو 800 مليون شيكل سنوياً، كان من السهل قراءة الرقم باعتباره فاتورة تذهب إلى البنوك العاملة في فلسطين.
لكن قراءة المنقبون لهيكل الدين الحكومي تظهر صورة أكثر تعقيداً، فالقطاع المصرفي الفلسطيني يحصل بالفعل على جزء من هذه الفوائد، لكنه ليس الجهة الوحيدة التي تحصل عليها.
الحكومة لديها مديونية محلية وخارجية موزعة بين القطاع المصرفي، ومؤسسات محلية غير مصرفية، ومؤسسات مالية عربية ودولية، وقروض ثنائية، ما يعني أن فاتورة الفوائد لا يمكن نسبها بالكامل إلى المصارف العاملة في السوق المحلية.
وهنا يصبح السؤال الأهم: من يحصل فعلياً على فوائد ديون الحكومة؟
14.3 مليار شيكل
بلغ الدين العام الحكومي، من دون احتساب المتأخرات والالتزامات الأخرى، نحو 14.23 مليار شيكل بنهاية مايو 2026. لكن هذا الرقم لا يمثل قروضاً حصلت عليها الحكومة من البنوك الفلسطينية وحدها.
فالبيانات الصادرة عن وزارة المالية، تظهر أن الدين المحلي بلغ نحو 10.3 مليار شيكل، لكن حتى الدين المحلي نفسه لا يعني تلقائياً أنه دين مصرفي بالكامل.
إذ تشير بيانات منشورة استناداً إلى الأرقام الرسمية إلى أن القروض المصرفية شكّلت نحو 6.2 مليار شيكل من الدين المحلي بنهاية مايو 2026، موزعة بين قروض طويلة وقصيرة الأجل، فيما يتكون الجزء الآخر من مديونية وأدوات تمويل محلية أخرى؛ وهذه نقطة جوهرية.
فلا يمكن ضرب إجمالي الدين العام في متوسط سعر الفائدة ثم اعتبار الناتج إيرادات حققتها البنوك العاملة في السوق الفلسطينية.
خارج فلسطين هنا دائنون
الجزء الآخر من الصورة موجود في الدين الخارجي. إذ تظهر بيانات وزارة المالية أن قائمة دائني الحكومة الخارجية لا تقتصر على جهة واحدة، وإنما تضم مؤسسات مالية عربية ودولية وقروضاً ثنائية.
ومن بين الجهات التي تظهر في هيكل الدين الخارجي الفلسطيني صندوق الأقصى، والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والبنك الإسلامي للتنمية، إلى جانب مؤسسات دولية مثل البنك الدولي.
وتؤكد بيانات وزارة المالية المنشورة أن هذه الجهات شكّلت بالفعل أجزاء من رصيد الدين الخارجي.
كما أن للحكومة الفلسطينية علاقة اقتراض مع بنك قطر الوطني؛ إذ صدر قرار بقانون عام 2019 للمصادقة على الاقتراض منه، ثم جرى في 2023 إقرار ملحق لاتفاقية التسهيلات المصرفية للقرض القائم.
وبالتالي، عندما تدفع الحكومة فوائد على الدين، فإن جزءاً من الفاتورة يذهب إلى الداخل، وجزءاً آخر يرتبط بقروض ودائنين خارج القطاع المصرفي الفلسطيني.
أين تذهب الـ800 مليون شيكل؟
هنا يجب التمييز بين رقمين مختلفين تماماً: الأول هو إجمالي فاتورة فوائد وخدمة التمويل التي تتحملها الحكومة.
والثاني هو مقدار إيرادات الفوائد التي تحققها البنوك العاملة في فلسطين من إقراض الحكومة؛ والرقمان ليسا مترادفين.
فإذا كانت فاتورة الفوائد الحكومية تقترب من 800 مليون شيكل سنوياً، فلا يعني ذلك أن 800 مليون شيكل تدخل مباشرة إلى أرباح البنوك في فلسطين.
بل تتوزع كلفة الفائدة بحسب نوع القرض، والجهة الدائنة، والعملة، وسعر الفائدة، وآجال الاستحقاق، واتفاقيات إعادة الجدولة أو الهيكلة، كما يجري مع قرض البنك الدولي الذي تؤجل الحكومة الفلسطينية مدفوعات فوائد قروضه بسبب أزمتها المالية.
والأهم أن الفائدة التي يحصل عليها البنك لا تعادل هي الأخرى ربحاً صافياً؛ فإيراد الفائدة المصرفي يخضع بدوره لكلفة الأموال والمخصصات والمخاطر والمصاريف والضرائب وغيرها.
ليس كل الدين يحمل السعر نفسه
هناك خطأ آخر قد يقع فيه تحليل الرقم، وهو افتراض أن جميع قروض الحكومة تحمل سعر الفائدة نفسه. فالقروض المحلية المصرفية قد تحمل أسعاراً تختلف جذرياً عن قروض المؤسسات التنموية الدولية.
كما تختلف القروض طويلة الأجل عن الجاري مدين والتسهيلات قصيرة الأجل، وتختلف القروض المقومة بالشيكل عن الدولار أو العملات الأخرى.
وبعض القروض التنموية الخارجية قد تكون بشروط ميسرة وآجال طويلة، في حين أن الاقتراض المحلي قصير الأجل قد يكون أكثر حساسية لارتفاع أسعار الفائدة.
ولهذا فإن متوسط كلفة الدين الحكومي لا يمكن استخراجه بدقة بمجرد تطبيق نسبة واحدة على إجمالي المديونية.
وهنا تصل قراءة المنقبون إلى الخلاصة الأهم: فاتورة الـ800 مليون شيكل تكشف حجم العبء الذي تتحمله الخزينة الفلسطينية بسبب الاقتراض، لكنها لا تكشف وحدها هوية المستفيد من كل شيكل.
فالقطاع المصرفي الفلسطيني دائن رئيسي للحكومة، لكنه واحد ضمن شبكة أوسع من الدائنين؛ هناك بنوك محلية، ومؤسسات محلية غير مصرفية، ومؤسسات مالية عربية ودولية، وجهات إقراض خارجية.
