تعود تفاصيل قديمة من حرب غزة عام 2014 إلى المشهد السياسي الإسرائيلي، بعدما كشفت تقارير إعلامية عبرية عن اتصالات سرية ومباشرة قيل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أجراها مع حركة حماس خلال عملية "الجرف الصامد" بعيدًا عن علم عدد من المسؤولين في المؤسسة الأمنية.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية إضافية في الوقت الراهن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر المقبل، وسط تصاعد الجدل حول أسلوب نتنياهو في إدارة الملفات الأمنية وعلاقته بالمؤسسات العسكرية والاستخباراتية.
قناة غير معلنة مع حماس
وبحسب ما أوردته تقارير إعلامية إسرائيلية، استندت إلى معلومات نشرتها صحيفتا "جيروزاليم بوست" و"معاريف"، فقد استخدم نتنياهو رجل الأعمال الإسرائيلي شلومو فوغل كوسيط لإجراء اتصالات مع القيادي في حماس غازي حمد، وتشير الرواية إلى أن الاتصالات لم تمر عبر المسار المعتاد للمفاوضات، وعلى رأسه الوساطة المصرية، وإنما جرت عبر قناة غير رسمية استمرت لعدة أسابيع.
ووفق التقرير، كان نتنياهو يحدد الإطار العام للمحادثات، بينما تولى يوسي كوهين، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، صياغة الرسائل، قبل أن ينقلها فوغل إلى حمد.
اتصالات بالتزامن مع مفاوضات القاهرة
المفارقة التي يبرزها التقرير تتمثل في أن الاتصالات المزعومة جرت في الوقت الذي كان فيه وفد أمني إسرائيلي موجودًا في القاهرة للمشاركة في مفاوضات تهدف إلى التوصل لوقف إطلاق النار، وبحسب الرواية المنشورة، أثارت الاتصالات السرية تساؤلات داخل الأجهزة الأمنية، بعدما علم مسؤولون بوجود قناة موازية للتفاوض، ويقال إن مسؤولين أمنيين كبارًا واجهوا نتنياهو بشأن الأمر، وطالبوه بتوضيحات حول طبيعة هذه الاتصالات.
وتشير التقارير إلى أن نتنياهو نفى في البداية معرفته بالأمر، وطلب من المسؤولين التواصل مع فوغل ومطالبته بوقف تحركاته، قبل أن تكشف المعلومات التي جُمعت لاحقًا، بحسب الرواية، أن رجل الأعمال كان يتحرك بموافقة وتوجيه من رئيس الوزراء.
ماذا حدث في "الجرف الصامد"؟
اندلعت عملية "الجرف الصامد" في يوليو 2014 بعد تصعيد أمني متواصل، بدأ في أعقاب اختطاف ثلاثة مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية في يونيو من العام نفسه، ثم مقتل الشاب الفلسطيني محمد أبو خضير في القدس، وفي 8 يوليو، بدأت إسرائيل حملة جوية واسعة على قطاع غزة، وردت الفصائل الفلسطينية بإطلاق الصواريخ، قبل أن توسع إسرائيل عملياتها وتبدأ هجومًا بريًا في 17 يوليو.
ركزت العمليات الإسرائيلية على وقف إطلاق الصواريخ وتدمير الأنفاق التي قالت إسرائيل إنها تمتد من قطاع غزة باتجاه أراضيها، بينما استمرت الجهود المصرية للتوصل إلى اتفاق ينهي القتال، وبعد 50 يومًا من المواجهات، دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 26 أغسطس 2014، متضمنًا ترتيبات تتعلق بالمعابر والمساعدات وتخفيف بعض القيود المفروضة على قطاع غزة.

حرب خلفت دمارًا واسعًا
خلفت الحرب خسائر بشرية ومادية كبيرة في قطاع غزة، حيث أشارت تقديرات أممية ومصادر في ذلك الوقت إلى مقتل أكثر من 2250 فلسطينيًا غالبيتهم من المدنيين، كما أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير عشرات الأنفاق خلال العملية البرية، بينما وثقت الأمم المتحدة أضرارًا واسعة لحقت بالمساكن والمنشآت في القطاع، بينها آلاف المنازل التي دُمرت بصورة كاملة أو شبه كاملة.
صدمة داخل المؤسسة الأمنية
وتنقل التقارير عن مسؤول أمني إسرائيلي سابق وصفه للموقف بأنه كان صادمًا، خصوصًا أن الأجهزة الأمنية كانت، بحسب الرواية، تتابع مسار المفاوضات في القاهرة بينما تجري في الوقت نفسه اتصالات أخرى عبر قناة لم تكن مطلعة عليها.
وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تفتح نقاشًا حول طبيعة العلاقة التي كانت قائمة آنذاك بين مكتب رئيس الوزراء والمؤسسات الأمنية، وحول مدى استقلال قنوات التفاوض التي كانت تعمل بالتوازي لإنهاء الحرب.
لماذا يظهر الملف الآن؟
عودة هذه التفاصيل بعد أكثر من 12 عامًا لا تنفصل عن المشهد السياسي الإسرائيلي الحالي، إذ يستعد نتنياهو لمعركة انتخابية جديدة، بينما تشكل ملفات الحرب والأمن وحماس محورًا أساسيًا في حسابات الناخبين، وفي حال تأكدت الاتصالات وتفاصيلها كما وردت في التقارير، فقد يستخدم خصوم نتنياهو القضية للتشكيك في طريقة إدارته للملفات الأمنية الحساسة، وخصوصًا ما يتعلق بالتنسيق مع الأجهزة العسكرية والاستخباراتية.
وبذلك لا يعود السؤال متعلقًا فقط بما جرى في حرب 2014، بل يمتد إلى سبب إبقاء هذه الاتصالات خارج دائرة المؤسسة الأمنية، ومن كان يدير فعليًا مسار التفاوض مع حماس في ذلك الوقت.
