غزة/ البوابة 24- سندس محمدين:
جلست الحاجّة ابتسام أبو زيد (76 عامًا) أمام هاتفها المحمول، تحاول الانضمام إلى مكالمة جماعية تجمع أبناءها وأفراد عائلتها عبر تطبيق "واتساب"، كانت تتوق لتكون بينهم وتشاركهم حديثهم، لكنها عجزت عن معرفة طريقة الدخول.
حاولت مرارًا وتكرارًا لزهاء نصف ساعة بمفردها، قبل أن تستسلم لدموع القهر والعجز، وتقول في مقابلة مع "البوابة 24" إنها حاولت الدخول بنفسها دون الاعتماد على أحد، لكنها لم تستطع، فيما انتابها شعور عارم بالحزن.
لم تكن ابتسام نائية عن استخدام الهاتف؛ فهي تطالع الأخبار، وتتصفح الصور، تقرأ الأذكار، وتتواصل مع أبنائها المغتربين بشكل يومي، بيد أن هذا الهاتف نفسه يتحوّل إلى عائقٍ حقيقي حين يتطلب الأمر إجراء معاملة مالية أكثر تعقيدًا.
وتُضيف: "أجيد استخدام الجوال، لكن هذا التطبيق أقف أمامه عاجزة لكثرة الأسئلة والخطوات التي يطلبها".
في ظل ظروف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، استحالت التطبيقات الرقمية جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، فيما مضى، كانت ابتسام تعتمد على نفسها كليًا؛ تذهب إلى السوق وتتبضع حاجياتها دون انتظار أحد، أما اليوم فتتحسر قائلة: "كنت أخرج بمفردي وأبتاع ما أشاء.. أما الآن فلا أستطيع فعل شيء".
تتكرر المأساة ذاتها مع الرجل السبعيني زياد خليل، وهو أستاذ لغة عربية متقاعد اعتاد طوال حياته إدارة شؤونه بحرية واستقلالية، يتحدث: "كنت أعتمد على نفسي في كل شيء؛ أنزل إلى السوق لقضاء الأغراض، وأقود المبادرات والجمعيات المصغرة، بل وأستثمر راتبي في مشاريع مساندة".
لكن مع تحوّل الحوالات والمعاملات المالية إلى الشاشات والتطبيقات، وجد زياد نفسه مضطرًا للاعتماد الكلي على نجله محمد، وهنا يوضح ابنه أنه يتولى المعاملات المالية لوالده منذ بدء انتشار المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية خلال فترة الحرب، مشيرًا إلى أن والده "لم يستطع مواكبة التطور السريع لتقنيات الهواتف والمعاملات المالية".
ولا تقتصر المساعدة على إجراءات بسيطة؛ إذ بات الأب بحاجة إليها في كل تحويل مالي. يتابع محمد: "أضطر كثيرًا لترك عملي لأنجز له ما يريد، لأن مصروف المنزل مرتهن بحسابه البنكي"، وفي حال عدم تفرغه، قد تُؤجل المعاملة لليوم التالي لسبب أو لآخر، كقطوعات الإنترنت أو أعطال التطبيقات.
ويؤكد الابن أن الخدمات الرقمية جردت والده من قدرته على إنجاز أموره بنفسه، لافتًا إلى أنه لولا وجوده لكان والده يحرج من طلب المساعدة ويؤجل معاملاته لحساسية الأمور المالية وعدم ثقته بأي طرف آخر.
هذا المأزق الذي تعيشه البيوت يتجلى بوضوح داخل المؤسسات والمنشآت أيضًا، وفي هذا السياق، يوضح أحمد حسن شحادة، منسق المشاريع في قسم العلاقات العامة بمستشفى أصدقاء المريض، أن قطاعًا واسعًا من المراجعين كبار السن يعانون الأمرين أمام الإجراءات الإلكترونية، لا سيما التحويلات وتطبيقات الهواتف.
ويشرح حسن كيف أن مسارًا قد يستغرق عشر دقائق في الظروف الاعتيادية قد يمتد إلى ساعة كاملة؛ حيث يدفع كبار السن رسوم التذكرة، ثم يتولون تعبئة البيانات والتحقق من الحوالات، لينتقلوا بعدها إلى خدمات أخرى تشترط استخدام الهاتف، كما أشار إلى أن انقطاع الإنترنت المتكرر تسبب في إحدى المرات بتوقف نظام المستشفى بالكامل.
ولا تقف الأزمة عند حد التأخير، بل تتجاوزها إلى مخاطر الاحتيال؛ إذ يروي حسن حادثة لكبير سن استعان بشخص غريب لإجراء تحويل مالي، فقام الأخير بتحويل المبلغ لحساب آخر مستغلًا عدم قدرة المسن على التأكد من تفاصيل العملية.
من جانبه، يرى سائد حسونة، خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير، أن الفجوة الرقمية لا ينبغي اختزالها في ضعف مهارات كبار السن؛ فالعديد من الخدمات تُصمم بناءً على افتراض مستخدم يملك أحدث الأجهزة، ويتصل بإنترنت مستقر، ويمتلك دراية تامة بكلمات المرور ورموز التحقق.
ويردف حسونة أن أبرز العوائق تتمثل في صغر حجم الخطوط والأزرار، تعقيد القوائم، كثرة الخطوات، المصطلحات التقنية المعقدة، ومتطلبات التحقق المتكررة. مؤكدًا أنه لا يكفي أن تعمل المنصة تقنيًا، بل يجب أن تُتيح للمستخدم فهمها وإنجاز معاملاته بكرامة واستقلالية وأمان.
تفسر المتخصصة النفسية نورا أبو عيطة هذا البُعد الإنساني موضحة أن انتقال الخدمات إلى النمط الرقمي يمسّ استقلالية كبار السن ويشعرهم بالتهديد، مما يولد لديهم مشاعر الإحباط والخجل والعجز، لا سيما حين يجدون أنفسهم مكرهين على طلب المساعدة في أمور طالما أنجزوها باقتدار.
وتؤكد أن اللوم لا يقع عليهم، بل على طبيعة الخدمات التي تُصمم وكأن الجميع يملكون ذات القدرات والخبرات الرقمية.
وبالعودة إلى ابتسام، فتختصر هذه المعاناة في أمنية بسيطة: "أتمنى أن يجعلوها أسهل من ذلك حتى نتمكن من تعلمها". فهي لا ترغب في اعتزال التكنولوجيا، ولا تريد لأبنائها أن يظلوا بدلاء عنها؛ كل ما تطمح إليه هو أن تنجز شؤونها بيدها كما اعتادت طوال حياتها.
