في انتظار "جودو" الفلسطيني

د. عماد مصباح مخيمر:

تمثل رائعة الكاتب الإيرلندي "صمويل بيكيت" الرواية المسرحية "في انتظار جودو" حالة من التعبير ذو المذاق المرير عن عبثية الانتظار لمخلص قد يأتي وقد لا يأتي ولكن في الغالب لن يأتي، انتظار يطول ويتخذ شكل الديمومة المتواصلة والممارسة اليومية ومركزية حياة، ليصبح الانتظار هو القيمة في ذاته ولذاته. في حين يصبح قدوم المخلص هو قيمة هامشية تبرر القيمة الأساسية وهي الانتظار. إنها حالة من الإزاحة والإحلال القيمية والتبديل التوافقي في تراتبية القيم المؤسسة لمن يمارسون عملية الانتظار، وتضيع في هذه الحالة قيم أخرى ترتبط بطموحات وتطلعات وأهداف وأماني، لتحل محلها قيمة عبثية وحيدة وهي حالة الانتظار للمخلص.

يؤشر الواقع الفلسطيني إلى الوصول للدرجة القصوى من حالة الانتظار العبثي، هذا الانتظار أصبح قيمة ومبرر لممارسة وسلوك مكونات – معدودة - من النظام السياسي في محاولة منها لترسيخه كقيمة في الوجدان الوطني الفلسطيني، وهذا ينعكس في سلوكها تجاه القضايا الوطنية الفلسطينية وتعاملها بأريحية شديدة وكأنها تملك ترف الوقت كله، في حين أن الوقت يمثل أرواحًا تُزهق قصفًا ومرضًا وبأشكال الموت كافة، وتوغلًا وتعمقُا وتنوعًا في المعاناة التي يتجرعها الإنسان الفلسطيني في غزة. وهذا السلوك قد تحاول هذه المكونات تبريره بالاستناد إلى أن ذلك الأمر متأصل في الوجدان الفلسطيني، فمنذ الاحتلال البريطاني لفلسطين في العام 1917، عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، ومن ثم فرض الانتداب البريطاني على فلسطين بقرار من عصبة الأمم المتحدة عام 1920، وصولًا لحلول النكبة في العام 1948 وقيام دولة الاحتلال على أرض فلسطين، ووقوع النكسة في العام 1967، وكل المحطات الأخرى وصولًا إلى الحرب على غزة ومحاولات فرض سيادة الاحتلال القانونية والسياسية على الضفة الغربية. منذ كل ذلك يعيش الإنسان الفلسطيني حالة تزداد ترسخًا من الانتظار لـــــ"جودو" الفلسطيني.

لقد مر الإنسان الفلسطيني بحالة من الانتظار لقدوم من يخلصه من الاحتلال والانتداب البريطاني وهجمات العصابات الصهيونية وإرهابها في ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي وصولًا لهذه اللحظة. ثم كان انتظار العودة إلى الأرض التي اُحتلت في العام 1948، ثم الانتظار لانتهاء الاحتلال على الأرض المحتلة في العام 1967، ثم انتظار قيام دولة فلسطينية، والكثير من حالات الانتظار لما سيأتي ولكن الآتي لا يأتي. لقد أصبحت قضية الانتظار تمثل قيمة عبثية في ظل انتظار طال للقادم الذي يحقق قيمة حقيقية في طريق الخلاص الفلسطيني.

كشفت الحرب المتواصلة على قطاع غزة لما يقترب من ثلاث سنوات - وفي طريقها للسنة للرابعة- وهي فترة تقارب مدة الحربين العالميتين الأولى والثانية، عن حقيقة أن النظام القانوني والإنساني الدولي ما هو إلا قواعد تُنفذ بحق الضعفاء من مكونات النظام الدولي، في حين أن من يملكون السيطرة والهيمنة على النظام الدولي وحلفائهم فهم قيمة متعالية أمام النظام الدولي القانوني والإنساني، فمن حقهم ممارسة كل ما ينتهك القوانين والأعراف والشرائع الدولية والأخلاق الإنسانية، ممارسة فاضحة تصل لحد الوقاحة والغطرسة والعنجهية والتباهي بالوحشية على مستوى الممارسة والأيديولوجية. ولعل واقعة الطفلة الفلسطينية "هند رجب" التي تم قتلها بتعمد وإصرار وحشي بعد قتل عائلتها وهي تستغيث مستنجدة بمؤسسة دولية "الصليب الأحمر" مبرر وجودها حماية الأبرياء والمدنيين أثناء الحروب. لعل هذه الواقعة لتؤشر على إنه لو كان هناك ضمير إنساني لعاقب من ارتكب هذه الجريمة بالدرجة القصوى من العقاب، ولكن من ارتكب هذه الجريمة هو في وضعية متعالية أمام القانون الدولي والإنساني وبالتالي هو بمنأى عن العقاب وحتى المساءلة الأخلاقية.

بات الفلسطيني في ظل تغول ووحشية الاحتلال وجرائمه التي فاقت التصور الإنساني حتى بمستواه الأخلاقي الأدنى ، وتنامي مستويات مشاريع الاحتلال العنصرية الاستعمارية وصولًا إلى درجاتها القصوى ، في حالة من الحتمية ليكون "جودو" الفلسطيني واقعًا قائمًا، واقعًا يمتلك الوعي والإدراك بالبيئة الوطنية الفلسطينية وكافة تجاذباتها وتنافراتها، وتشابكاتها وتقاطعاتها. وعي وإدراك يجعل من الفلسطيني كإنسان هو القيمة العليا التي تمتلك خاصية التعاظم الدائم أمام القيم الأخرى من فصائلية وحزبية وخلافه، هذه القيمة هي مركز ومحور المكون الوجداني للوطنية الفلسطينية.

وصلت القضية الفلسطينية إلى مراحل متقدمة من التصفية الوجودية، فبالنسبة لغزة يحاول ويعمل الاحتلال على نزع الهوية الوطنية الفلسطينية عنها بتفكيك مكونات هذه الهوية، وجعلها مجرد مجموعة سكانية بلا هوية وطنية أو قومية، وكل ما يمكن تقديمه لهم هو إغاثة إنسانية تتعلق بالطعام وشيء من العلاج، في الوقت نفسه نزع صفة المدنية وجعل سكانها أشبه بالبدو الرحل الذي ينتقلون من منطقة إلى أخرى بحثًا عن الطعام، ولا يستقرون في مكان ليكونوا مركزًا حضريًا. أما الضفة الغربية المحتلة والقدس فيحاول الاحتلال إيجاد المبررات لفرض السيادة القانونية والسياسية عليها، وربما يفتعل حربًا عدوانية يحاول تبريرها ليقوم بممارسة تتماهى وما قام به في غزة، من قتل وإبادة جماعية وهدم وتدمير مدن بأكملها .. إلخ.

الشعب الفلسطيني لن يكون كأبطال رواية "صمويل بيكيت" "في انتظار جودو" يمارسون الانتظار العبثي السلبي لوصول "جودو" المخلص، ولكن في مقابل ذلك المطلوب حالة من الاستنهاض الوطني على المستويات كافة ومراجعة شجاعة شاملة على مستوى المفهوم والممارسة لقاموسنا الفلسطيني الوطني، في موازاة ذلك يجب إدارة معركة ووعي تاريخي وقانوني وسياسي ووطني، وإعادة قراءة تقييمية تفكيكية للواقع الذي لا يجدر بالشعب الفلسطيني. إن "جودو" الفلسطيني حضر في مئات الآلاف من الشهداء، والشهداء وحدهم من يمتلكون الحقيقة القصوى، ويظل دور المخلصون الأحياء ليصنعوا "جودو" الوطني الفلسطيني، الذي يجعل فلسطين والإنسان الفلسطيني هو القيمة المتعالية إطلاقًا.

البوابة 24