تفاصيل المهمة الأمريكية السرية في مضيق هرمز.. 4 أشهر تحت الماء والظلام

بحارة أميركيون على سطح حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"
بحارة أميركيون على سطح حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"

في الوقت الذي تبادلت فيه الولايات المتحدة وإيران الضربات في مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية، كانت القوات الأميركية تنفذ مهمة أخرى بالغة السرية في مياه المضيق، تمثلت في إزالة الألغام التي تهدد حركة الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي.

مهمة سرية في هرمز

وأرسلت الولايات المتحدة، في الغالب خلال ساعات الليل، غواصين من قوات "سيل" التابعة للبحرية الأميركية، إلى جانب قوارب آلية ومركبات متخصصة للعمل تحت سطح الماء، لتنفيذ مهمة استمرت أربعة أشهر لإزالة الألغام، وفق تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، الأحد.

كما تمت عمليات التخلص من العبوات المتفجرة الموجودة تحت الماء وفي ظلام الليل، في محاولة لإزالة أحد أبرز العوامل التي دفعت السفن إلى تجنب نقل الشحنات الحيوية عبر المضيق، منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران في فبراير، بحسب أشخاص مطلعين على العملية.

عملية شاقة

والجدير بالإشارة أن عملية إزالة الألغام من منطقة بحرية، حتى خلال فترات السلم، تعتبر مهمة شاقة ودقيقة يمكن أن تستغرق أشهراً، إذ يتعين على سفن متخصصة التحرك ذهاباً وإياباً داخل الممر المائي، وقطع الألغام من مراسيها، ثم إطلاق النار عليها بعد أن تبدأ في الطفو.

2.webp
 

إلا أن العملية الأميركية في هرمز اتبعت نهجاً مختلفاً، إذ عمل غواصو البحرية الأميركية ضمن فرق صغيرة، مستخدمين زوارق ذات هياكل قابلة للنفخ، بينما حددوا مواقع الألغام الإيرانية بمساعدة قوارب آلية ومركبات غاطسة.

ومن بين هذه المركبات "السفينة السطحية المشتركة غير المأهولة" التابعة للبحرية الأميركية، والتي تعتمد على أجهزة سونار تجر خلفها لمسح قاع البحر ورصد الألغام.

كما تضم هذه الأجهزة مستشعرات سونار عالية الدقة تعمل بالنظر الجانبي، ويمكنها اكتشاف أجسام مثل الألغام الموجودة في قاع البحر بدرجة كبيرة من الوضوح، وهو ما يسمح لها بتمشيط مساحات واسعة مع تقليل المخاطر التي يتعرض لها أفراد الطواقم إلى أدنى حد، بحسب التقرير.

الغواصون.. المرحلة الأخطر

إلا أن الوصول إلى موقع اللغم لا يعني انتهاء المهمة، إذ تبدأ بعدها المرحلة الأكثر خطورة.

وفي هذا السياق، قال بيل هامبلِت، وهو نقيب متقاعد في البحرية الأميركية، إن غواصاً من البحرية يتعين عليه عادةً النزول إلى المياه والاقتراب من اللغم، ثم وضع عبوة متفجرة عليه وتدميره، واصفاً القوة المشاركة في هذه العمليات بأنها "قوة صغيرة جداً وخفيفة الوزن".

4.webp
 

وأضاف "هامبلِت"، أن الولايات المتحدة ربما نفذت بعض عملياتها انطلاقاً من السفينة "يو إس إس ميغيل كيث"، وهي قاعدة عائمة متنقلة للبعثات الاستكشافية تابعة للقوات البحرية الأميركية في الخليج، مشيراً إلى إمكانية استخدام المركبات الغاطسة الآلية لتدمير الألغام بالمتفجرات.

من جهته، قال برايان كلارك، خبير إزالة الألغام في معهد هدسون، إن هذه الأنظمة قد تتضمن "سي فوكس" البريطانية، أو المنظومة الأميركية الأحدث "AN/ASQ-235 آرتشر فيش".

80 لغماً في ممرات الشحن

ومنذ اندلاع الحرب، أعلنت طهران أنها زرعت ألغاماً داخل مضيق هرمز لمنع عبور السفن، فيما قدرت المنظمة البحرية الدولية وجود نحو 80 لغماً في ممرات الشحن الحيوية.

إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكد قبل أيام أن جميع الألغام البحرية في المضيق أزيلت من "المياه الدولية"، في إشارة على الأرجح إلى الممر الملاحي التقليدي الذي تستخدمه السفن التجارية منذ عقود بموجب القانون الدولي.

كما كشفت واشنطن إزالة أكثر من 200 جسم يشبه الألغام من الممر الرئيسي، إلا أن الفحص أظهر أن 11 منها فقط كانت ألغاماً فعلية، بينما كان عدد محدود منها موضوعاً بطريقة صحيحة، وفق مسؤولين أميركيين تحدثوا إلى "أكسيوس" أواخر الشهر الماضي.

وعلى الرغم من خطورة المهمة، لم يتم الإبلاغ عن سقوط خسائر بشرية أميركية مرتبطة تحديداً بعملية إزالة الألغام، بينما قال كلارك إن "قوات إزالة الألغام تكون عرضة للخطر، لأن العملية بطيئة، ولأن الزوارق أو المروحيات المشاركة فيها تفتقر إلى وسائل دفاعية كافية".

تهديد مزدوج.. صواريخ وألغام

ولا تقتصر المخاطر على الألغام وحدها، إذ تشمل أيضاً الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة، إلا أن مجرد احتمال وجود ألغام في المضيق، حتى في حال عدم وجودها فعلياً، كان كافياً لإثارة مخاوف ملاك السفن ودفع شركات التأمين إلى فرض أسعار مرتفعة للغاية للتغطية، وفق ما أوردته "فايننشال تايمز".

ووصلت تكلفة التأمين إلى نحو عشرة أضعاف مستويات ما قبل الحرب، وبالنسبة إلى ناقلة نفط عملاقة نموذجية، قد يعني ذلك تكلفة تأمين تصل إلى نحو 10 ملايين دولار.

5.webp
 

ونتج عن هذا التهديد فتح جبهة أخرى من الصراع تمثلت في "حرب المعلومات"، إذ رفضت طهران تأكيدات واشنطن بشأن إزالة الألغام.

وفي السياق ذاته، قال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، في أواخر أغسطس: "لا أحد يعرف مواقع هذه الألغام سوى إيران".

وفي اليوم ذاته الذي أعلن فيه ترامب أن المضيق أصبح خالياً من الألغام، قال "مركز المعلومات البحرية المشترك"، الذي تديره البحرية الأميركية، إن هناك "خطراً مستمراً يتمثل في وجود ألغام جرفتها المياه أو ألغام غير محددة المواقع".

وقال محللون عسكريون إن إيران تمتلك آلاف الألغام من طراز "محم"، وهي ألغام تشبه تلك التي استخدمت خلال الحرب العالمية الثانية، ويقع بعضها أسفل سطح الماء مباشرة، وينفجر عندما تصطدم السفينة بأذرع الاستشعار الموجودة في اللغم.

كما تعمل أنواع أخرى من هذه الألغام من خلال رصد التغيرات في المجالات الكهرومغناطيسية أثناء مرور السفن فوقها.

وفي أواخر أغسطس، شن الجيش الأميركي ضربة استهدفت منصات إطلاق صواريخ إيرانية كانت تستعد لإطلاق ألغام بحرية داخل المضيق.

وتأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع دخول الحرب بين إيران والولايات المتحدة شهرها السابع، منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على طهران في 28 فبراير، بينما انهار وقف إطلاق النار ومذكرة التفاهم الموقعة في يونيو، بعد فشل الجانبين في إبرام اتفاق.

ومنذ ذلك الحين، أعلنت واشنطن ما وصفته بـ"الحرب الاقتصادية" على طهران، بالتوازي مع استمرار حصارها البحري، الذي أدى إلى منع وصول إمدادات الوقود إلى إيران، التي تواجه في الأصل نقصاً في إنتاجها المحلي.

العربية