غزة/ البوابة 24- حلا أبو عيشة:
ثلاثة أمتار من التراب.. هذا كل ما بقي لأم أسماء الددة من أرضٍ كانت يومًا تتسع لبيتٍ و"حوش" ومواسم. هنا، أمام خيمةٍ في مواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، تمدّ يدها كل صباح لتلقي فيها بذرة، كأنها تقول لها: "استيقظي.. هناك من يحتاجك".
تبدو المساحة صغيرة إلى حدٍّ لا يكاد يكفي لشتلات قليلة، لكنها بالنسبة للسيدة الثلاثينية تساوي أكثر من ذلك بكثير. هنا هي تحاول أن تعيد إحياء ذلك العمر الذي قتلته الحرب، وتلك الحياة، والذكريات.
قبل الحرب، كان بيتها محاطًا بمساحة واسعة مزروعة بكل ما يتخيله العقل من أشتال. تزرع ما تحتاج إليه، وتأكل مما تزرعه، وتعرف الأرض بمواسمها.. حتى جاءت الحرب.
خرجت أم أسماء من الأرض الواسعة إلى الخيمة، ومن الحوش إلى قطعة تراب صغيرة، لكنها حملت معها ما لم تستطع الحرب انتزاعه: خبرتها، وعادتها، وإصرارها على أن ترى شيئًا أخضر ينبت أمامها.
وحين لم تجد الأدوات والمواد التي اعتادت استخدامها، بحثت عن البدائل في الأشياء التي حولها. تجمع رماد النار التي تشعلها العائلة، وتستخدم علبةً من بقايا المعلبات بعد ثقبها، لتساعدها في نخل الرماد ووضعه حول النباتات، وتجرب خلطات منزلية مختلفة لتغذية النبات.. من الخميرة والسكر والماء إلى الأرز، وأحيانًا تفتح هاتفها وتبحث عبر الإنترنت عن طرق أخرى للعناية بالزرع، ثم تجربها بيديها.
لم تعد الزراعة كما كانت، لكنها بالنسبة إليها ما زالت زراعة.. لونٌ أخضر يحيي الروح، ويقدم الأمل هديةً وسط واقعٍ يموج فيه اليأس. تقول: "لم يعد لدينا حل بديل. نحن في خيمة، والأرض في معظمها تراب، وليس لدينا حل آخر سوى أن نزرع".
وفق الددة، لا تستجيب الأرض دائمًا، فالملوخية التي نجحت معها في العام الماضي لم تنمُ هذا العام كما أرادت، والبندورة التي زرعتها من قبل جفّت، فاقتَلعتها، وتركت مكانها لنبات جديد. ما يميز هذه المرأة أنها لا تتوقف طويلًا أمام الخسارة، وكأنها تعلمت من الأرض درسًا لا يحتاج إلى شرح: أن ما لا ينمو اليوم يمكن أن يُمنح فرصةً أخرى غدًا.
وكان الفلفل أكثر النباتات التي صمدت معها. ظل ينمو منذ وصول العائلة إلى المنطقة قبل نحو عام وشهرين، حتى خلال فترة المجاعة، حين كان العثور على الطعام نفسه معركةً يومية.
تضيف: "نبت معنا الفلفل باستمرار، وحتى في المجاعة كنا نأكل منه. لم يكن اكتفاءً ذاتيًا، لكن نحو 20% من طعامنا كنا نحصل عليه من الزراعة التي لدينا".
اليوم، تزرع العائلة الملوخية والذرة والفلفل، إلى جانب نباتات أخرى. وحين يأتي الشتاء، لا تترك أم أسماء مساحةً متاحةً دون محاولة استثمارها، فتزرع الجرجير والبقدونس حتى تحت الخيمة.
لكن ما تفعله لا تختصره الحاجة إلى الطعام، فالمرأة التي كانت تعرف أرضها قبل الحرب، تبدو وكأنها تحاول الآن أن تحفظ علاقتها بها من الانقطاع. تزيد: "لدي خبرة في الزراعة منذ ما قبل الحرب، ونحن معتادون على هذه الحياة. كان بيتنا أرضًا واسعة مليئة بالخير، وكنا نزرع كل شيء ونأكل منه، ونادرًا ما كنا نحضر خضارًا أو فاكهةً من السوق".
حتى قبل الحرب، كانت تتجنب استخدام المواد الكيميائية قدر الإمكان، وتفضّل الطرق التي تراها أكثر أمانًا لزراعة الطعام الذي ستأكله عائلتها. واليوم، اكتسب ما تزرعه بيديها قيمةً أخرى، فالنبتة التي تنمو أمام خيمتها ليست مجرد طعام، بل "قيمة" عرفوا ثمنها وقت المجاعة.
تردف: "حتى لو كانت الخضروات في السوق رخيصة، فإن ما نزرعه بأيدينا بالنسبة إلينا أفضل وأغلى".
وربما لهذا تبدو تلك القطعة الصغيرة أمام الخيمة أكبر من مساحتها، ففيها تختصر أم أسماء حكاية أرضٍ واسعة تحولت إلى بضعة أمتار، وحياةٍ كاملة تقلصت إلى خيمة، لكنها لم تسمح للحرب بأن تجعلها غريبة عن التراب.
ومع ذلك، فإن الزراعة في مكانٍ عاش حربًا طويلة تفتح سؤالًا لا تستطيع العين وحدها الإجابة عنه.. هل ما ينبت في هذه الأرض آمن؟ تجيب الددة: "قد تبدو النبتة سليمة وخضراء، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن التربة خالية من الملوثات. وفي ظل الركام ومخلفات الحرب وتغير ظروف التربة والمياه، تبقى معرفة سلامة المحاصيل بحاجة إلى فحوص علمية للتربة والمياه والنبات".
أم أسماء مثل غيرها ممن يعتمدون على الزراعة حول خيامهم، لا تملك رفاهية انتظار الظروف المثالية: تراقب النبتة، تسقيها، وتنتظر، فإذا جفّت، تقتلعها، ثم تبدأ مرةً أخرى.
من أرض البيت إلى تراب الخيمة، تغيّر كل شيء تقريبًا: المكان، والمساحة، والظروف، وحتى معنى الحياة اليومية، وحدهُ شيء واحد لم يتغير: "يدٌ تعرف الأرض، وقلبٌ لا يقبل أن يتركها".
ثلاثة أمتار من التراب، أمام خيمةٍ تختصر حياة عائلة كاملة، تنبت الملوخية والفلفل والذرة، ورغم أن هذه النباتات قد لا تكفي لإطعام العائلة، إلا أنها تكفي لتذكّرها بأنها ما زالت قادرةً على أن تضع شيئًا في الأرض، وأن تنتظر أن تسمع نبضه.
