محمد سعد العجلة:
الفيلم الوثائقي نازا وما صاحبه من ضجة إعلامية يستحق التوقف عنده. فهو أولا وثائقي يضرب في الصميم رواية دولة الاحتلال الكاذبة وجيشها المجرم القاتل، بخصوص استهداف المدنيين خلال حرب الإبادة الجماعية في غزة. وثانيا لأن مخرجي الفيلم إسرائليان، وبصفتهما هذه فإن الشهادات الواردة في الفيلم أبعد ما تكون عن موضع الشك والتشكيك، إلا من قبل ممثلي دولة الاحتلال وجيشها، وهو ما حصل.
الفيلم الذي تم عرضه قبل بضعة أيام في مهرجان البندقية، من إخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل شور، ويعرض شهادات قاسية لجنود إسرائليين عن عمليات قتل متعمد لجيش الاحتلال خلال حرب الإبادة، وفاز بجائزة لجنة التحكيم المرموقة في الحفل الختامي للدورة 83 من مهرجان البندقية.
بعد الفوز قال المخرج أبراهام "نعتقد أن إنكار الجريمة هو ما يسمح باستمرارها، ومن المهم أن يشاهد الإسرائيليون الفيلم".
اسم الفيلم نازا، مصطلح يستخدمه جيش الاحتلال ويعني "أضرار جانبية!" أي المدنيين الذين من المحتمل أن يسقطوا في عمليات الاغتيال والقصف، وتناسى قادة الاحتلال أن جرائمهم التي طالت بيوتا وأبراجا وعمارات وخياما سكنية، كانت تدمر على رؤوس ساكنيها أمام الكاميرات، وأن عدد الشهداء اليومي كان يتراوح ما بين 250 إلى 350 على مدار عدة شهور، وأن هدف الاحتلال في التدمير والتهجير وجعل غزة غير صالحة للحياة، لم يعد سرا، وهو ما خلص إليه مخرجا الفيلم، من أن "الأمر يتعلق بسياسة متعمّدة للإبادة والتدمير، تشمل استخدام الذكاء الاصطناعي"، وهذا ما دفع وزير الثقافة والرياضة الصهيوني ميكي زوهار إلى التهديد بالعمل على سحب جنسية صانعيه بتهمة خيانة الدولة!
أحد أعضاء لجنة التحكيم في مهرجان البندقية المخرجة التونسية المرموقة كوثر بن هنية (التي أخرجت فيلم صوت هند رجب) قالت عقب فوز الفيلم "أحد الأمور التي أحببناها في الفيلم، إلى جانب ما ينطوي عليه من شجاعة وذكاء كبيرين، هو الطريقة التي يتناول بها الآليات. فالأمر لا يتعلق بموضوع الفيلم وحده، بل أيضًا بطريقة تصويره وتركيبه. إنه عمل شجاع، وقد أنجزاه بأسلوب سينمائي بالغ القوة" وقد تفسر هذه الشهادة، كيف تمكن الفيلم من تحطيم الرقم القياسي في التصفيق الحار وقوفا، إذ بلغت مدة التصفيق خمسا وعشرين دقيقة، وهي أطول مدة تصفيق في تاريخ المهرجان.
من الأمور الهامة في الفيلم :
* أنه باللغتين العبرية والإنجليزية، وما يهمنا هنا أكثر اللغة الإنجليزية، بالنظر إلى كونها اللغة الأكثر تأثيرا في العالم.
* أن الشهادات الواردة في الفيلم، هي شهادات حية لأربعة وعشرين جنديا ومجندة، بينهم ضباط، من جيش الاحتلال الذين شاركوا في حرب الإبادة، أي أنها ليست شهادات صادرة عن فلسطينيين أو عرب أو أجانب متضامنين مع الفلسطينيين، وبالتالي فهي شهادات موثقة ومؤثرة في رسالة الفيلم.
* مخرجا الفيلم صحفيان، وتم إنتاجه لصالح صحيفة بريطانية (الغارديان) وبالتالي يغلب على الفيلم طابع التحقيق الاستقصائي، وهي رسالة لكل الإعلاميين في العالم، وخاصة الأجانب، الذين منعهم الاحتلال من دخول قطاع غزة، طوال فترة حرب الإبادة، أن عليهم مسؤولية في الوقوف إلى جانب ضحايا غزة الأبرياء، وغالبيتهم نساء وأطفال، وألا يكتفوا بذريعة منعهم من دخول القطاع، وكفى الله الصحفيين شرف المحاولة! فهناك الكثير الكثير مما يمكن عمله، ليس فقط من قبيل القصص الإنسانية والتي لا حصر لها، ولكن أيضا فيما يتعلق بالجوانب المخفية، مثل القضية التي ركز عليها فيلم نازا، وهي استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل جيش الاحتلال في الاغتيالات وما يكتنف ذلك من مخاطر جسيمة على أرواح المدنيين العزل.
إذا كان فيلم نازا، قدم هذا الجهد التوثيقي البصري الهام، وهو من إخراج إسرائيليين، فماذا عن المخرجين والمنتجين والفنانين العرب بشأن حرب الإبادة في غزة، التي لا تزال مستمرة في كثير من صورها وأشكالها، وتداعياتها الكارثية لا تزال تنهك أجساد وقلوب وأرواح الفلسطينيين في قطاع غزة، هل سننتظر إبداعات قادمة تعري رواية الاحتلال وتنتصر للحق الفلسطيني، كما فعل فيلم "صوت هند رجب" ومسلسل "صحاب الأرض"؟
كاتب صحفي
