في غزة.. الحرب تعمّق فجوة الوصول إلى النفقة والحقوق المالية

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- رؤى القطاع:

بعد سنوات من اللجوء إلى القضاء للحصول على النفقة، ظنت آلاء، وهي أم لطفلتين، أن صدور الحكم وتنفيذه سيضع حدًا لمعاناتها. لكن الحرب على قطاع غزة أعادت المشكلة من جديد، بعدما توقفت مستحقاتها، لتجد نفسها أمام مسؤولية إعالة طفلتين في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية قاسية.

تجسد تجربة آلاء جانبًا من معاناة نساء في غزة يواجهن صعوبة في تحصيل حقوقهن المالية والقانونية، إذ لا تتوقف مشكلاتهن عند الحصول على حكم قضائي، بل تمتد إلى القدرة على تنفيذه وتحصيل مستحقاتهن، في وقت أدت فيه الحرب إلى تعطّل المحاكم ومؤسسات التنفيذ، وصعّبت الوصول إلى الخدمات القانونية والمساعدات.

بدأت قصة آلاء مع النفقة عام 2017، حين لجأت إلى المحكمة الشرعية للمطالبة بالنفقة لها ولابنتيها. وبعد نحو ثلاثة أشهر من الإجراءات، صدر حكم بتخصيص 50 دينارًا لها و25 دينارًا لكل واحدة من ابنتيها. لكن الوصول إلى هذا الحكم لم يكن سهلًا؛ إذ واجهت، بحسب روايتها، عقبات من جانب طليقها، قبل أن تواصل الإجراءات بمساعدة محاميتها وتصل إلى المحكمة العليا، حتى صدر قرار لصالحها وتم تنفيذ الحكم.

إلا أن الحرب على قطاع غزة غيّرت واقع آلاء مرة أخرى، إذ توقفت مستحقات النفقة التي كانت تعتمد عليها، لتجد نفسها أمام مسؤولية تأمين احتياجات طفلتين في ظروف اقتصادية ومعيشية شديدة الصعوبة. ولم يقتصر أثر ذلك على الجانب المادي، بل امتد إلى طفلتَيها، خصوصًا عندما تطلبان احتياجات لا تستطيع توفيرها.

وتقول آلاء إن النفقة ليست مبلغًا ماليًا فحسب، بل حق أساسي يساعد المرأة المطلقة على تأمين احتياجات أطفالها، مطالبة الجهات المختصة بضمان صرف مستحقاتها المتوقفة، ومتمسكة بأمل بسيط تختصره كلماتها "يا رب خير، ويا رب يعطوا قرار بصرف حقوقنا".

ولا تتوقف معاناة النساء عند الحصول على حكم قضائي؛ فحتى صدور الحكم لا يضمن دائمًا تحصيل الحقوق كاملة. وهو ما تظهره تجربة صباح، التي لجأت إلى القضاء بعد سنوات من العنف الأسري، وحصلت عام 2019 على حكم يتعلق بالنفقة وحقوقها المالية، لكنها اضطرت، وفق روايتها، إلى التنازل عن جزء منها مقابل إنهاء الزواج. واتُّفق حينها على دفع ألف دينار أردني لها، إلا أنها لم تحصل سوى على 500 دينار.

ولا تقتصر تداعيات تعثر الحقوق المالية على من حصلن بالفعل على أحكام قضائية، بل تمتد أيضًا إلى نساء عالقات في أوضاع قانونية غير محسومة، ومن بين هؤلاء، وجدت أم أحمد نفسها أمام صعوبات متواصلة بعد هجر زوجها لها دون تسوية أوضاعها وحقوقها. حاولت مرارًا الوصول إلى حل معه، كما لجأت إلى الجهات القانونية واستعانت بمحامٍ، إلا أن التكاليف حالت دون استمرارها في الإجراءات. ومع اندلاع الحرب، تفاقمت معاناتها، إذ تقول إن استمرار ارتباط اسمها بزوجها في البيانات الرسمية أثّر في استفادتها من بعض المساعدات، رغم عدم حصولها منه على ما يكفي لتلبية احتياجاتها. وبعد محاولات عدة، تمكنت بمساعدة وسيط من استخراج ما يثبت هجرها، لكن الصعوبات في الوصول إلى المساعدات لم تنتهِ بالكامل.

وتقول أم أحمد إن غياب النفقة ومصدر الدخل انعكس على ظروفها المعيشية وحالتها النفسية، مؤكدة أن مطلبها الأساسي هو الحصول على حقوقها والعيش بكرامة، مضيفة: "هذا أبسط حق من حقوقي، حقي في الحياة وأعيش زي أي واحد حياة كريمة من غير إهانات". وترى أن الحرب لم تُنشئ مشكلة النفقة وحقوق النساء، لكنها زادت من حدتها مع تعطل المحاكم وصعوبة متابعة الإجراءات القانونية.

وفي السياق الإحصائي، تُظهر أحدث بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (الصادرة في 8 مارس/آذار 2026) أن النساء يدفعن الثمن الأكبر في هذه الحرب؛ إذ ارتفع عدد الأرامل إلى 22,057 امرأة، بينما قفزت نسبة الأسر التي تعيلها نساء من 12% قبيل الحرب لتصل إلى نحو 18% مع أواخر عام 2025. وتتطابق هذه المؤشرات مع تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة التي تشير إلى أن أسرة من بين كل سبع أسر في قطاع غزة تعيلها امرأة حالياً، مما يعني وجود أكثر من 16 ألف امرأة فقدن أزواجهن ويتحملن أعباء مضاعفة واتخاذ قرارات مصيرية وسط النزوح وشبح المجاعة وغياب منظومة الدعم القانوني والمعيشي.

من جانبها، توضح المحامية نورهان الطباطيبي أن القوانين المعمول بها في قطاع غزة لا تحدد مبلغًا ثابتًا للنفقة الزوجية، وإنما يقدّرها القاضي وفق الحالة المادية للزوج وقدرته على الدفع. وتشير إلى أن المادة (57) من قانون حقوق العائلة لعام 1954 تتيح تحديد النفقة بالاتفاق بين الزوجين أو بحكم قضائي، مع إمكانية زيادتها أو تخفيضها تبعًا لتغير الأسعار والحالة المادية للزوج، موضحة أن العمل القضائي جرى على اعتبار 50 دينارًا حدًا أدنى للنفقة الزوجية، مع إمكانية زيادتها بحسب الظروف.

وتشير الطباطيبي إلى أن صدور الحكم لا يعني بالضرورة حصول المرأة على مستحقاتها، إذ تواجه إجراءات التنفيذ صعوبات، من بينها تهرب بعض الأزواج من الوفاء بالتزاماتهم، فيما فاقمت الحرب هذه الإشكالية مع تعطل المحاكم ومؤسسات التنفيذ. ومع تعثر المسار القضائي، برزت الوساطة والتوفيق والتحكيم كبدائل لحل بعض النزاعات، إلا أن ضعف إلزامية بعض هذه الحلول يظل عائقًا أمام حصول النساء على حقوقهن، مؤكدة أن "الحق موجود، لكن الوصول إليه ليس مضمونًا".

وترى ماجدة شحادة، مديرة وحدة المرأة في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن المشكلة الأساسية في قضايا النفقة لا تكمن في الحصول على الحكم القضائي بقدر ما تكمن في القدرة على تنفيذه وتحصيل المستحقات فعليًا، خاصة في الحالات التي لا يملك فيها الزوج راتبًا ثابتًا أو مصدر دخل رسمي يمكن الاقتطاع منه. وتوضح أن الحرب عمّقت هذه الصعوبات مع تعطل أجزاء واسعة من منظومة العدالة والتنفيذ، بما شمل المحاكم والشرطة القضائية والجهات المعنية بتنفيذ الأحكام، ما أدى إلى تعطيل حقوق نساء كنّ على وشك تحصيل مستحقاتهن.

وتقول شحادة إن النزوح وفقدان الوثائق زادا من صعوبة استكمال الإجراءات، ولم تقتصر التداعيات على قضايا النفقة، بل امتدت إلى الحضانة ومشاهدة الأطفال وتنفيذ الأحكام المرتبطة بها. ومع تعطل المسارات القانونية، أصبحت الوساطة من الوسائل المتاحة لمعالجة بعض هذه القضايا، رغم ما يحيط بها من إشكاليات تتعلق بضعف الإلزام واحتمال تأثرها باختلال موازين القوة بين الأطراف. وترى شحادة أن النساء يواجهن، إلى جانب العقبات القانونية، ضغوطًا معيشية واجتماعية متزايدة بسبب النزوح ونقص الاحتياجات الأساسية وصعوبة الوصول إلى خدمات الحماية والمساعدة.

وبين أحكام قضائية صدرت لصالح بعض النساء، وحقوق يصعب تنفيذها، تكشف تجارب آلاء وصباح وأم أحمد عن فجوة بين الحق الذي تمنحه القوانين والقدرة على الوصول إليه فعليًا. وقد عمّقت الحرب هذه الفجوة مع تعطل المحاكم ومؤسسات التنفيذ، والنزوح وفقدان الوثائق وصعوبة الوصول إلى الخدمات القانونية والمساعدات، لتصبح استعادة الحقوق بالنسبة لكثير من النساء مرتبطة أولًا بعودة منظومة العدالة إلى العمل وقدرتها على تنفيذ الأحكام.

البوابة 24