في ذاكرة أطفال غزة وتحت ركام الخوف.. تُبنى "المدرسة"!

صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي
صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- صفاء كمال:

حين أخبرت مريم زياد طفلها عمر سويلم، البالغ من العمر سبعة أعوام، أنها سجلته في المدرسة، كانت تتوقع أن يحتضن فرحته ويضحك، لكن ما حدث لم يكن يشبه ما في خيالها أبدًا.

تقول: "تحول الخبر إلى نوبة خوف. ما أن سمع طفلي كلمة مدرسة، حتى بدأ يصرخ ويقول: بديش مدارس، بديش أروح.. بديش أموت"، قبل أن يشرح لأمه أن المدرسة صارت تعني بالنسبة له "مجزرة".

تضيف أمه: "في المدرسة كان يقف أمام التكيات، وكان الصف بالنسبة له مكانًا لعراك العائلات النازحة المتكدسة".

لم يتعرف عمر إلى المدرسة من مقاعد الدراسة ودفاترها، بل عرفها في سنوات الحرب مكانًا للنزوح، ومأوى للعائلات، ومشهدًا يتقاطع فيه الخوف مع أصوات القصف.

كانت أسرته قد تنقلت بين مناطق نزوح عدة، قبل أن تستقر في المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، لكن أقسى ما علق في ذاكرة الطفل كان يوم استهدفت مدرسة خديجة للبنات غربي دير البلح، في 27 يوليو/تموز 2024م، بينما كانت تؤوي آلاف النازحين.

أعلنت وزارة الصحة في غزة حينها استشهاد 30 شخصًا وإصابة أكثر من 100، فيما أعلن المكتب الإعلامي الحكومي لاحقًا ارتفاع عدد الشهداء إلى واحد وثلاثين.

كانت مريم وطفلها بين الناجين من ذلك اليوم. تعلق: "توقعت أن ابني لا يزال يعاني آثار الصدمة كونه شاهد الحدث والشهداء يومها ونجا بأعجوبة، لكن خيّل لي أن الأطفال ربما ينسون مع مرور الوقت".

لكن عمر لم ينسَ. إنه يرفض الذهاب إلى المدرسة رفضًا قاطعًا خوفًا من استهدافها، بل بدأ يقترح على أمه حلولًا بديلة: أن تدرّسه بنفسها، وأن يتابع التعليم إلكترونيًا، شرط ألا يذهب هو إلى هناك.

وتزيد الأم بحرقة: "صارت المدرسة غولًا بعيون ابني، فالحرب باغتتنا وعمره ثلاث سنوات ونصف، ولم يعرف معنى المدرسة سوى في النزوح وعمليات القتل التي استهدفت النازحين وبعضهم من أصدقائه بشكل مباشر".

في ذاكرة عمر، لم تعد المدرسة مكانًا منفصلًا عن المأوى، والمأوى لم يعد منفصلًا عن الخطر. لذلك، تكفي الكلمة وحدها لاستدعاء صور القصف والخوف، بدل الكتب والأصدقاء واللعب والسبورة.

من الخوف إلى خيبة الحلم

دخلت لينا الجرو، البالغة من العمر تسعة أعوام، إلى المدرسة من بابٍ مختلف. هناك، لم تحمل معها ذكرى مجزرة، بل حملت صورة جميلة رسمتها في خيالها طويلًا.

لكنها عادت ذات يوم إلى الخيمة ووجهها مثقل بالحزن، قبل أن تخبر والدتها دينا أن المدرسة التي حلُمت بها لم تكن هي التي رأتها للتو.

تقول لينا: "كنت دائمًا أتخيل المدرسة جميلة وملونة، جدرانها وكراسيها باللون الزهري، وفيها ساحة واسعة للعب، وفصول مرتبة، لكنني عندما ذهبت وجدتها مجرد خشب وشوادر. المكان ضيق وشديد الحرارة ولا أستطيع التركيز فيه".

كانت لينا تتخيل العودة إلى مدرستها "أسماء الابتدائية"، التي لم تعرف منها سوى شهر واحد في سبتمبر/أيلول 2023م، حين كانت في الصف الأول الابتدائي، قبل أن تقطع الحرب مسارها الطبيعي في التعليم، "لكنها اكتشفت أنها صارت مكانًا للنزوح والهروب من جحيم القصف شمالي غزة" تخبرنا أمها.

اليوم، تتلقى لينا تعليمها في نقطة "اقرأ" التعليمية، في شارع المشتل بالقرب من أبراج الفيروز، داخل فصول مؤقتة من الخشب والشوادر.

تضيف والدتها: "الطريق نفسه أصبح جزءًا من المعاناة، فالطفلة تعبر بين الركام والأنقاض، ثم تجلس في مكان شديد الحرارة، على مقاعد خشبية غير مريحة، لتتعلم في بيئة بعيدة عن الصورة التي حملتها معها عن المدرسة.

ولا تقف الخسارة عند شكل المكان، فحتى التعليم أصبح عبئًا اقتصاديًا جديدًا على الأسر بغزة. تقول دينا: "أصبح تعليم أطفالنا بمثابة مشروع تجاري يفوق قدرة الأهالي، فإما أن يتلقوا تعليمهم في ظروف قاسية يصعب العيش فيها أساسًا، وإما أن يلتحقوا بمدارس توفر لهم بيئة مناسبة ولكن مقابل مبالغ باهظة لا تستطيع تحملها سوى فئة قليلة جدًا من العائلات".

وتتابع: "أسعار المستلزمات والقرطاسية ارتفعت بصورة تفوق قدرة الأسر، في وقت تكافح فيه العائلات أصلًا لتوفير احتياجاتها الأساسية".

مدارس مدمرة.. وتعليم معلّق

ولا تنفصل تجربة عمر ولينا عن واقع أوسع أصاب العملية التعليمية في قطاع غزة، إذ تعكس أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" حجم الضرر الذي لحق بالتعليم، حيث تضررت نحو (98%) من مباني المدارس، فيما تحتاج أكثر من (93%) منها إلى إعادة تأهيل واسعة أو إعادة إعمار كاملة.

وتشير المنظمة إلى أن نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عامًا حُرموا من التعليم الحضوري لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، بينما لا يحصل نحو 420 ألف طفل على أي تعليم وجاهي.

وخلال الحرب، حُرم أكثر من 600 ألف طالب وطالبة من الانتظام في مدارسهم، فيما أسفر القصف عن مقتل مئات المعلمين والعاملين في قطاع التربية والتعليم، إلى جانب آلاف الطلاب.

وترى الأخصائية النفسية علا دهمان أن ما يحدث مع عمر لا يمكن اختزاله في رفض أو عناد، إذ إن المكان المرتبط في ذاكرة الطفل بالقصف والقتل قد يتحول إلى محفز يستعيد معه مشاعر الخوف والصدمة حتى بعد مرور وقت على الحدث.

وتقول: "الخطوة الأولى في التعامل مع الطفل هي الاستماع إلى خوفه وتقبله، بدل إجباره على المواجهة أو التقليل من مشاعره. بعد ذلك، يمكن مساعدته تدريجيًا على تكوين تجارب جديدة وآمنة مع المدرسة، بحيث يبدأ المكان في اكتساب معنى مختلف في ذاكرته".

وتنصح دهمان والدة عمر بمساعدته على التعبير عن مشاعره من خلال الرسم واللعب والحكايات، كأن يرسم المدرسة التي يخافها، ثم يرسم المدرسة التي يتمنى أن تكون عليها، "كما يمكن استخدام تمارين التنفس البسيطة لتهدئة الخوف عند اشتداده" تضيف.

أما التعليم الإلكتروني، فتراه حلًا مؤقتًا يمكن اللجوء إليه عند الحاجة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة دائمة لتجنب المدرسة؛ لأن التجنب المستمر قد يعزز الخوف بدل تفكيكه، "وعندما تتوفر بيئة آمنة، تكون العودة التدريجية، وبخطوات صغيرة، أكثر ملاءمة للطفل" كما توضح.

وفي حالة لينا، ترى حسين أن الأثر مختلف، فالطفلة لا تخاف المدرسة بقدر ما تواجه خيبة أمل بعدما اصطدمت الصورة الوردية التي رسمتها في خيالها بواقع الشوادر والحرارة والركام.

لذلك، لا يحتاج الأطفال إلى التعليم وحده، وفق الأخصائية، بل إلى مساحة تمنحهم اللعب والراحة والانتماء والشعور بالأمان، وإلى معلمين قادرين على احتواء آثار الحرب التي يحملونها معهم إلى الصف.

استعادة "المدرسة" في عيون أطفال غزة لا تبدأ من الجدران والمقاعد وحدها، بل من استعادة معناها الأول في ذاكرتهم.. مكانًا لا يخافون دخوله، ولا يربطونه بالموت، بل يجدون فيه معلمًا يحتضن خوفهم، وصديقًا يشاركهم اللعب، ومساحة تسمح لهم -ولو لبعض الوقت- بأن يعودوا أطفالًا.

البوابة 24