قراءة في رواية "أيام بعيدة جدا" للكاتب أحمد طايل

 صافي صافي:

التيه هو الموضوع الرئيس في رواية أحمد طايل/ أيام بعيدة جدا الصادرة عن دار سمير منصور 2025، أو هكذا أحببت أن أراه، فالقارئ هو جزء من النص، وأنا وجدت نفسي في هذه الزاوية. التيه ليس موضوعا حديثا، فجاء في الأساطير القديمة وفي الديانات وفي التاريخ، وهناك التيه الجغرافي، وهناك التيه الفكري الذي نعاني منه نحن في الحاضر. وهناك التيه الجماعي، والتيه الفردي، لكن التيه الفردي هو في النهاية تيه جماعي، فما الفرد إلا نقطة انطلاق لرؤية الجماعة، فالفرد هو زاوية نظر لكل ما حوله من حجر وشجر وبشر. أعتقد أن كل الأعمال الأدبية هي “تيه”، هي طرح مشكلة، ومحاولة الخروج منها، كما قال العالم التربوي “جين بياجيه”، وحينها لن تكون النهاية هي الحل رغم أهميتها، بل العمليات العقلية والسلوكية أثناء محاولة الوصول لحل، وهنا تبرز التفاصيل وتوالي الأحداث لتكون لكل واحدة منها دورها، وتسلسلها للوصول لنهاية، قد نرتاح لها نفسيا وفكريا، وقد تتضارب مع معتقداتنا بالمعنى الواسع للمصطلح. وأعتقد بأن كل ما نكتبه هو جزء من سيرتنا، بالمعنى الواسع للكلمة، فهو جزء من حياتنا السلوكية والفكرية والمعتقدات التي نحملها، بما في ذلك أحلامنا واهتماماتنا، وتخيلاتنا ورؤيانا، فنحن نكتب من أجل إيصال رسائل ما، بعضها ظاهر، وبعضها باطن، لكن الناقد، وأنا لست ناقدا، بالكشف عن مكنونات الأعمال الأدبية حتى لو لم تكن في بال الكاتب، فالنص يقول أكثر مما يقوله الكاتب، ومن هنا تصبح الفروق واضحة بين الكاتب والقارئ. إن الأعمال الأدبية ليست وظيفتها التطبيق الآني، بل هي مراجعة ما حدث، سواء حدث في “أيام بعيدة جدا”، أو في أيام قريبة. إن ما يكتبه الأدباء سيصبح جزءا من سيكلوجية الكاتب وسيكلوجية الجماهير القارئة أولا، وبالتالي تصبح المسؤولية أكبر وأكثر تأثيرا، وربما هذا هو الفرق بين كتاب شاع اسمه، وآخر لم تتح له الفرصة، وكذلك بين كاتب وآخر. لقد كتب “أحمد طايل” عديد الروايات، وحاز على جوائز مختلفة، وهذا لا يعفيه من فتح باب النقاش للجمهور وأنا منهم. في الرواية لم يطل التيه شخصية توفيق/ منذر و مرتضى، بل طال عشائرهما، والعشائر المجاورة، حتى طال المجتمع كله. في الرواية هناك التيه الفردي والجماعي، والتيه الفكري، فكانت القبائل وشيوخها هي المرتكز لمحاولة الخروج منه، إنه التقوقع حول الذات لئلا تنكشف الأمور، أو التقوقع الداخلي المعبر عن أزمات نفسية عانت منه الشخصيات، لينكشف الأمر في النهاية وتكون الدولة نفسها في تيه لا ينتهي، وإن تم “حله” بالقشور مثل تغيير الاسم والعودة إلى الأسم الأول. إن الجندي الضائع توفيق بعد حرب 67، والعثور عليه من قبيلة تعيش في المنطقة نفسها، وتغير اسمه إلى “منذر”، ثم عاد إلى اسمه الأصلي لم يغير في العنوان شيئا كثيرا، فهو في داخله ظل يحمل الإسمين، وظل يعيش منطقتين جغرافيتين، وزوجتين اثنتين، وأبناء من عالمين مختلفين، بل ظل التعامل بين القبيلتين على أنهما كذلك، ولم تندمجا في مجتمع حديث يحترم ما قدمه “توفيق”، بدأتا قبيلتين واحدة ريفية، وواحدة بدوية وظلتا كذلك، رغم المحاولات لتتحولا إلى التجارة بدل الزراعة والرعوية والخلط بينهما، ورغم مظاهر التمدن كامتلاك عربات الدفع الرباعي، وغيرها. رغم تقاربنا وجيرتنا مع مصر والمصريين، فإن التيه لا يقع في الفترة نفسها، فروايتي مثلا “تايه”، بهذا الاسم الصريح صدرت عام 2019، وهي تتناول تيه الفلسطيني في الفترة الواقعة بين 1984 وحتى العام 1967، المرتبطة بظهور الكيانية السياسية ومنظمة التحرير. لكن تيه أحمد طايل تمتد من حرب 1967 حتى السبعينات بتحرير جزء من سيناء، وربما نجد تعريفا آخر للتيه في بلدان عربية مجاورة. إننا لا نتفق على فترة توهاننا، لكنه يظل تيها. صحيح أن التيه الفردي مهم جدا، ففيه البحث عن مفقود، ولوعة الأهل، لكنه ظل في الشخصي والجغرافي، ولم ينطلق للمجال الفكري الذي ما زلنا نعاني منه. إن التيه الفكري والحضاري هو الأكثر أهمية وهو الذي يفتح للتخلص من تيه الأفراد والقبائل والمجتمع فيما بعد. هذا لا يعني بأن ذلك حدث فعلا، بل ربما بقي الحال على حاله، وربما تعايشنا مع التحديث شكليا، لكننا ظللنا نعيش التيه عقليا. ليس كل ما حدث يكتب، وليس كل ما لم يحدث لا يكتب، فالكتابة هي فعل انتقائي واقعي أو تخيلي. نحن الأدباء لا نكتب لمجرد الكلمات، فوظيفتنا أن نصنع الأمل، الأمل الجماعي، ونلقي الضوء على نور في النفق، والتيه نفق مظلم. وظيفتنا أن نلقي الضوء على ما يؤلم هذا المجتمع، وما يمكن فعله، وظيفتنا أن نوسع الدائرة حتى نفكر بشكل أفضل، فوظيفتنا فكرية بالأساس، التفكير والتفكير الناقد. إن أية ظاهرة اجتماعية هي انعكاس لمجتمع بأكمله، لأمة بأكملها، لعالم بأكمله، ولو كانت الظروف مختلفة لما حدث ما حدث، فكيف يضيع “توفيق” طوال هذه المدة، ولا أحد يسأل سوى أهله! إن الخروج من النفق، من العتمة الفردية والجماعية، من العتمة الحضارية، هي بتغييرات جوهرية في النظام. ما فعله أحمد طايل، طال الأفراد بشكل سطحي، بشكل فردي وما حوله في الدائرة الضيقة لحد ما، ولم يفض لحل جوهري، وحتى لا أظلم طايل في روايته، فربما كان “العبور” هو الفعل المهم ليحل هذه الأزمة الفردية، وعودة “منذر” ل”توفيق”، وهذا مهم جدا، ومن هنا نقطة الإنطلاق والتغيير الفكري في الرواية. فالأزمات الفردية تتطلب بيئة جديدة من التفكير والفعل، فكان “العبور” هو نقطة التحول، ورسم لمرحلة جديدة من التفكير، مرحلة عودتنا لأسامينا الحقيقية، أو عودة أسامينا لنا. إن “العبور” هو نقطة التحول بالإفصاح الجهوري عن هوية التائه، إنه إعادة تعريف لأنفسنا رغم كل ما حصل. إذا كان توفيق قد عاد له اسمه، وعاد إلى أهله، فهذا لا يعني القفز على “التجربة” بحد ذاتها، فهي مكون أساس من نفسيته، ونفسية الشعب الذي ينتمي إليه. شعب عاش “التيه” طوال ما يقرب العقدين، لكن نفسية “القبائل” كانت تعيش على أمل البحث عن حقيقة، حقيقتهم هم، وحقيقة “توفيق/ منذر”، فكان “العبور” عبورا من النفق، وإشعال شمعة في الظلام. خشيت أن تظل القبائل قبائلا، هي ظلت كذلك بتطورات مهمة حتى لو كانت شكلية أحيانا، لكنها لم تنته. فالقبائل لم تكن تركن فقط للطب الشعبي في العلاج، خاصة النفسي، بل كانت المشافي هي المرجع، وإن اختلط العلم بالأساطير، وبدور الشيوخ في العلاج (التنويم المغناطيسي). أتفهم ذلك، لكن هذا العمل يقوم به الأطباء أيضا، فأن يجتمع الطبيب والشيخ في وقت واحد، أستطيع أن أتفهمه بعقلية القبيلة، لكن هذا كان عمل الطب الحديث، وعلى رأسهم “فرويد”. ربما ذلك هو جزء من التيه، في الأيام البعيدة. أما الأيام البعيدة جدا، فهي مسألة نفسية فكرية أيضا، فأحمد طايل يعتبر عقدين من الزمن بعيدة جدا، له الحق في ذلك، فهو ليس بحاجة للعودة أبعد من ذلك كما نحن مثلا. أما كونها أياما رغم كثرتها، فربما لأن التيه لم يغب عن بال القبيلة أي يوم، ولا يحسب بالسنوات ولا بالعقود. مسألة أخيرة، وهي اللغة والجوانب الفنية في كتابة الرواية من أجزاء وفصول، فكانت اللهجة المصرية هي الغالبة، هذا يقرب القارئ للنص، القارئ المصري بالذات، لكنه تيه بين ما يجمعنا من لغة تصنع هويتنا الجماعية. أود التأكيد بأن الحكاية بحد ذاتها هي لعبة الكتاب، وليس المطلوب قولها كما هي، بل أن نبذل جهدا أكبر في سردها بطريقة فنية، كما الفنان الذي يرسم لوحة، وكما المغني الذي يتفنن بصوته، وكما المخرج المسرحي يلعب بالنص. إننا ننتقل من تيه إلى تيه، من كهف إلى آخر، وما “العبور” إلا مرحلة لعبور آخر، في الحياة وفي الكتابة، ومنها الروائية.

البوابة 24