غزة/ البوابة 24- صفاء كمال:
"لم تكن صدمة فقدٍ فقط. لقد تداخلت في حالة تلك السيدة الفجيعة، والذنب، وفقدان المعنى، وانهيار الهوية، والعزلة، والخوف معًا. كانت في الأربعين، جاءت برفقة شقيقتها إلى خيمتي تسألني المساعدة. كانت تحتضن كيسًا وتبكي. في سياق الحديث عرفتُ أن فيه ملابس أطفالها الأربعة الشهداء".
بهذه الكلمات، بدأت الأخصائية النفسية علا دهمان حديثها لـ"البوابة 24"، عن حالةٍ تسكن في مخيمٍ قريب من خيمتها بدير البلح. عرفت شقيقتها أن أخصائيةً نفسية تسكن هنا فجلبتها لتعرف ما إن كان هناك علاجٌ يطفئ نار قلبها ويعيد إليها عقلها الذي صعد إلى السماء برفقة أطفالها الشهداء.
تخبرنا علا: "طوال الجلسة كانت تتحدث عن أطفالها بصيغة الحاضر، ثم تنتبه فجأةً أنهم ماتوا وتبكي. ترفض أن يمس أحدًا ملابسهم، وفي نفس الوقت، تنتبه فجأة فتصبح غير قادرة على لمسها!".
شقيقة تلك السيدة التي لا تذكر علا إلا أن اسمها "فداء" أخبرتها أنها تستمر في إعداد الطعام لهم، وترتب لهم ليلًا أماكن للنوم. لا تبكي أمام الآخرين كثيرًا، لكنها تنهار عندما تسمع صوت طفلٍ يشبه أحد أبنائها أو يقترب من عمره. "الأدهى من ذلك أنها تشعر بالذنب.. لأنها نجت" تقول الأخصائية النفسية.
وتضيف: "صارت لا تبالي بالقصف كما حدثتني أختها، فالكل يخرج من الخيمة بعد حدوثه إلا هي تبقى جالسة، وكأنها تنتظر الموت أو تتمناه لتلحق بأبنائها الصغار"، متابعة: "بكت كثيرًا عندما حاولت رفع يدها عن الكيس في تلك اللحظة، وأخبرت شقيقتها أنها تعاني من صدمة، لكنها بحاجة للمتابعة في إحدى العيادات الميدانية".
لم ترَ علا تلك السيدة بعد ذلك، لكن صورتها لا تزال عالقةً في ذاكرتها، ودليلًا على بشاعة سنوات الإبادة.
ولا تقتصر آثار الحرب -وفق دهمان- على لحظة القصف أو فقدان شخص عزيز، بل قد تتراكم لدى الناجي سلسلة من الصدمات تتدرج من القتل والإصابة وفقد الأحبة، إلى النزوح المتكرر، وخسارة المنزل ومصدر الرزق، والجوع والمرض، والخوف المستمر على الأبناء، ومشاهدة الموت والدمار، من دون أن تتاح له مساحة كافية من الأمان لاستيعاب ما مرّ به.
وتقول: "قد تظهر هذه الصدمات في فرط اليقظة، والفزع من الأصوات المفاجئة، واضطراب النوم والكوابيس، أو استعادة مشاهد الحرب بصورة متكررة، إلى جانب تجنب الأماكن والأحاديث المرتبطة بها"، مستدركةً: "لكن قد تتخذ شكلًا آخر كالغضب والعصبية، أو الانطفاء العاطفي وفقدان الاهتمام بالحياة، والشعور بالذنب، خصوصًا لدى من فقدوا أبناءهم، أو من نجوا بينما مات الآخرون. كما قد تظهر أعراض جسدية، مثل الصداع والخفقان واضطرابات المعدة والإرهاق، فضلًا عن اضطراب الشهية والنوم".
أما الأطفال -والحديث لدهمان- فقد يعبرون عن الصدمة بسلوكيات أكثر من الكلمات، كالتبول اللاإرادي، والتعلق الشديد بالوالدين، والخوف من الانفصال، والعدوانية أو الانسحاب، وتراجع التركيز، وإعادة تمثيل القصف والموت في اللعب أو الرسم، والخوف من الأصوات المفاجئة.. تمامًا كما يحدث مع عبد الله الصفطاوي (7 سنوات).
في كل ليلةٍ يرتب ألعابه في زاوية الخيمة، يضع سيارته الصغيرة تحت قطعة قماش، ثم يصرح "انفجار"، بعدها يركض إلى أمه ويمسك بثوبها متأكدًا أنها لن تتركه.
تحكي أخته ندى لـ"البوابة 24" أن شقيقها، ومنذ أن رأى ابن جيرانهم وقد طار جسده وتحول إلى أشلاء بعد قصف طال منزلهم، لم يعد كما كان.
وتقول: "تطارده الكوابيس، ويذكره في كل ليلة. يفزع من الأصواف المفاجئة، ويستيقظ باكيًا يبحث عن أمي"، مضيفةً بحرقة: "عاد يتبول على نفسه بعد سنوات من تجاوزه هذه القصة".
وفق شقيقته، لا يتحدث عبد الله كثيرًا عما رآه، لكن لعبه يعيد المشهد كل مساء، كأن الحرب التي انتهت في الخارج، ما زالت مستمرة داخل رأسه.
هذه السلوكيات قد تعكس آثار صدمة نفسية مركبة -بحسب الأخصائية النفسية دهمان- فعبد الله لم يواجه حادثة مؤلمة واحدة، بل عاش الخوف والفقد والنزوح وانعدام الأمان، وهي تجارب يمكن أن تجعل الطفل في حالة ترقّب دائم للخطر.
وتقول: "عندما يعجز عن التعبير بالكلمات عما يختزنه، قد يظهر أثره في نومه ولعبه وتعلقه بأمه وحتى في عودة سلوكيات نمائية كان قد تجاوزها".
لكن -لا يعني ظهور هذه الأعراض بالضرورة وجود اضطراب نفسي- فبعضها استجابات طبيعية لتجارب قاسية، لكن استمرارها أو شدتها وتأثيرها في النوم والعمل والعلاقات والقدرة على رعاية الذات أو الأطفال يستدعي تقييمًا متخصصًا، تؤكد دهمان.
وتبدأ المساندة -كما تنبه- باستعادة الأمان والروتين والاحتياجات الأساسية، والاستماع إلى الناجي دون إجباره على سرد تجربته، ومنحه قدرًا من الاختيار والسيطرة على تفاصيل حياته اليومية، محذرةً من أن العبارات التي تقلل من الألم، مثل "انسَ" أو "كن قويًا" أو "غيرك خسر أكثر"، فقد تزيد العزلة.
وتكمل: "يساعد الاعتراف بما مرّ به ومساندته بهدوء على استعادة الشعور بالأمان، وفي الحالات التي تتضمن أفكارًا عن الموت أو إيذاء النفس، أو فقدان القدرة على رعاية الذات، أو الانفصال عن الواقع، يصبح التدخل النفسي المتخصص ضرورة عاجلة".
ولا يكاد يمر يوم لا يزور فيه أبو محمد ياسين ركام بيته. ذلك البيت الذي كلفه سنوات طويلة من العمل خارج غزة، واقتطعت فيها الغربة من عمره حتى شبعت. أربعة طوابق يمر فيلقي عليها التحية، ويسمح لدموعه هناك أن تنهمر، وبغزارة.
تقول ابنته يُسرى (29 عامًا): "بني البيت لأولاده.. قال إنه أخيرًا مطمئن لأنهم لن يحتاجوا أحدًا بعده طالما أن هناك بيت يسترهم، لكنه لم يحسب حسابًا لإبادة".
وتكمل: "الحرب هدمت البيت، ومعه انهار شيء في داخله. لم يعد يتحدث عن إعادة البناء كما كان، ويكرر أحيانًا: "بنيت عمري كله.. ولما ارتحت، راح كل شيء".
يحتفظ الرجل (وهو على مشارف السبعين) بمفتاح البيت، ويعود إلى الركام ليتفقد المكان ويتذكر أين كانت غرف أبنائه. منذ النزوح، أصبح قليل الكلام، سريع الانفعال، مضطرب النوم، وفقد اهتمامه بأشياء كان يحرص عليها.
تزيد ابنته بحسرة: "أكثر ما يؤلمه، ليس أن البيت تهدم، بل أن عمره الذي قضاه في بنائه انتهى في لحظة.. كأنه لم يكن".
وتوضح دهمان أن ما يعيشه الناجون قد يظهر في صورة أعراض نفسية وسلوكية مختلفة بحسب أعمارهم وتجاربهم، لذلك لا ينبغي التعامل معها باعتبارها ضعفًا أو مبالغة، ولا إجبار أصحابها على الحديث عما عاشوه قبل أن يكونوا مستعدين لذلك.
وتقول: "إن استعادة الأمان قدر الإمكان، والحفاظ على روتين يومي بسيط، والإصغاء دون أحكام أو مقارنات، ومنح الشخص مساحة لاتخاذ قراراته، تشكل خطوات أولى في دعمه"، مشددةً على أن الأعراض الشديدة أو المستمرة، خصوصًا الحديث عن الموت أو إيذاء النفس أو فقدان القدرة على رعاية الذات، تستدعي تدخلًا نفسيًا متخصصًا.
