الدورة الـ81 للأمم المتحدة.. فلسطين تختبر صدقية النظام الدولي

 المحامي علي أبوحبلة:

لم تعد القضية الفلسطينية في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد قضية مدرجة على جدول الأعمال، ولا مجرد ملف إنساني تتكرر بشأنه بيانات القلق والإدانة، بل أصبحت اختباراً مباشراً لصدقية النظام الدولي وقدرته على حماية القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بفلسطين. والجديد في خطابات قادة العالم هذا العام أن الحديث انتقل، بدرجات متفاوتة، من توصيف المأساة إلى البحث في شكل اليوم التالي للحرب، ومستقبل غزة، ووحدة الأراضي الفلسطينية، ومسار إقامة الدولة الفلسطينية. وفي المشهد الدبلوماسي، شكلت مسألة مشاركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس عبر كلمة مسجلة، بعد عدم حصوله على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، دلالة سياسية تتجاوز الجانب الإجرائي؛ إذ كشفت مجدداً اتساع الفجوة بين الموقف الأميركي وبين غالبية أعضاء الجمعية العامة، في وقت تتسع فيه دائرة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين. العالم العربي والإسلامي دخل الدورة الحالية بخطاب أكثر ارتباطاً بالحلول العملية. فقد تركزت المواقف على وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، ورفض التهجير، وإعادة إعمار غزة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ودعم إدارة فلسطينية للقطاع، مع التأكيد أن غزة ليست كياناً منفصلاً عن الضفة الغربية، وأن أي ترتيبات انتقالية يجب أن تقود إلى حل سياسي لا أن تتحول إلى بديل عنه. وفي هذا السياق، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ليضع القضية الفلسطينية في إطارها الاستراتيجي الأوسع، مؤكداً خطورة فصل غزة عن الضفة الغربية، ومحذراً من استمرار الاستيطان والعنف في الضفة، ومن المساس بالوضع التاريخي والقانوني للمقدسات في القدس. وهي مقاربة أردنية ثابتة ترى أن أمن المنطقة لا يمكن فصله عن حل القضية الفلسطينية على أساس قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة. كما عكست مواقف مصر وقطر والمغرب والسعودية وغيرها توجهاً نحو الجمع بين الجهد السياسي والإنساني وإعادة الإعمار وترتيبات الاستقرار، مع رفض أي محاولة لفرض التهجير أو تكريس واقع جغرافي وسياسي جديد في الأراضي الفلسطينية. وعلى المستوى الدولي، برز تحول مهم في مواقف عدد من الدول الغربية، خصوصاً مع اتساع الاعتراف بدولة فلسطين وازدياد الانتقادات للاستيطان، ووصول بعض المواقف إلى إجراءات اقتصادية وسياسية تستهدف منتجات المستوطنات أو الجهات المرتبطة بها. وهذا التطور مهم لأنه ينقل الموقف الدولي تدريجياً من مستوى البيانات السياسية إلى استخدام أدوات ضغط فعلية. وفي المقابل، تطرح المقاربة الأميركية المرتبطة بخطة الرئيس دونالد ترامب بشأن غزة وإعادة الإعمار وترتيبات المرحلة المقبلة سؤالاً محورياً: هل تكون إعادة الإعمار مدخلاً إلى حل سياسي شامل، أم تتحول إلى إطار لإدارة الأزمة من دون معالجة جذورها؟ وهنا تكمن المسألة الأهم. فالقانون الدولي لا يتعامل مع غزة باعتبارها قضية إعمار فقط، ولا مع الضفة الغربية باعتبارها ملفاً أمنياً، ولا مع القدس باعتبارها قضية رمزية. إنها جميعاً أجزاء من قضية سياسية وقانونية واحدة عنوانها إنهاء الاحتلال، وحماية حقوق الشعب الفلسطيني، ومنع الاستيطان والضم والتهجير، وتحقيق حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. لقد كشفت الدورة الـ81 أن هناك تحولاً متنامياً في الخطاب الدولي، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الكلمات. فالاعتراف بدولة فلسطين يمثل تطوراً دبلوماسياً مهماً، لكنه يحتاج إلى ترجمة سياسية وقانونية؛ ووقف إطلاق النار يحتاج إلى ضمانات؛ وإعادة إعمار غزة تحتاج إلى رؤية وطنية ودولية؛ وأي ترتيبات أمنية تحتاج إلى احترام السيادة الفلسطينية وعدم تكريس واقع انتقالي دائم. إن فلسطين اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الخطب بقدر ما تحتاج إلى إرادة دولية تضع حداً للفجوة بين القرارات والتنفيذ. وإذا كانت الدورة الـ81 قد رفعت مستوى الخطاب الدولي، فإن معيار نجاحها سيبقى في قدرة المجتمع الدولي على تحويل هذا الخطاب إلى مسار ملزم ينهي الاحتلال، يحمي القدس، يصون وحدة غزة والضفة، ويضع الدولة الفلسطينية على طريق التحقق الفعلي لا مجرد الاعتراف السياسي. فهنا تحديداً تُختبر صدقية النظام الدولي: عندما يصبح احترام القانون الدولي التزاماً لا انتقائية، وتصبح فلسطين قضية عدالة وحقوق لا مجرد قضية بيانات ومواقف.

البوابة 24