دمية نجت أو جالون ماء: في غزة لم يختفِ "الفرح".. لقد صغُر فقط!

صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي
صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- حلا أبو عيشة:

فوق أنقاض منزلها المدمر قرب ميناء غزة، كانت الطفلة ياسمينة السموني تقفز فوق الحجارة. تغني "فتحي يا وردة" وتضحك، بينما أمها في الخيمة الملاصقة تراقبها بينما تطهو الطعام. فجأة صمَت الصوت وصرخت ياسمينة فرحًا.

لقد لمحت بين الركام قماشةً تذكُرها جيدًا، مخططة بالعرض، وألوانها تتماوج بين الأحمر القاني والأبيض والبني. سحبتها بهدوء وهي تنادي "ماما.. لقيت لولو".

"لولو" هي دمية ياسمينة المفضلة، وكانت لا تفارقها قبل الحرب.. قبل أن تتحول حياة الأطفال إلى ظلامٍ لا يزوره الفرح!

تقول أمها لـ "البوابة 24": "هذه هي فرحة أطفال غزة.. فرحت بدمية وجدتها كاملة تحت الركام".

تظن الأم أن فأرًا أو "عرسة" كبيرة دفعتها نحو الأعلى، وتكمل: "شعرت برغبة في البكاء، فوالدها كان يبحث لها عن لعبة منذ وقت، لكن يا للأسف الألعاب في غزة باهظة الثمن وشحيحة.. هنا يلعبون بالركام ويصنعون من أسلاك الكهرباء أراجيح".

تعلق لولو ذات الأعوام التسعة: "ملابسها متسخة، سأغسلها أولًا، وأمي ستخيط هذا الفتق.. سأحملها وستنام في حضني الليلة".

فرحت ياسمينة بدميتها، وكأنها عثرت على قطعةٍ نجت من حياتها القديمة، فخلال نحو ثلاثة أعوام من الحرب والنزوح والدمار.. تحولت كل الأشياء التي كانت تبدو بديهية لحلم: البيت، والألعاب، والأمان، والنوم الهادئ، وحتى الأشياء الصغيرة التي كان يمكن أن تصنع يومًا عاديًا.

في قطاع غزة، تحول مفهوم الفرح من شكله التقليدي، القائم على المناسبات والإنجازات والرفاهية، إلى مفهوم أعيدَ تشكيله قسراً ليرتبط بالبقاء وبتفاصيل صغرى.. عبوة ماء نظيفة، العثور على ربطة خبز، الحصول على دواء مفقود، أو مجرد مرور ليلة كاملة دون قصف قريب.. التحول هنا يكمن في أن ما كان "حقاً بديهيًا" أصلح يُصنف كـ "حدث سعيد ومبهج".

جالونان.. وطريق تقوده صورة أمه

إلى خيمته على طرف أحد مخيمات الإيواء وسط قطاع غزة، عاد محمد القرعان (13 عامًا) هذه المرة من مغامرة البحث عن الماء يطارد فرحته. لقد كان يحمل جالونًا ملأه كله!

كان محمد يعي أن الجالون أثقل من أن يصل به إلى البيت دفعةً واحدة. على جانبي الطريق يمتد الركام، بقايا مبانٍ لم تعد تشبه ما كانت عليه.. وبينها يمضي محمد، يضع الجالون أرضًا كل عدة خطوات، ثم يعود فيحمله مجددًا ويواصل الطريق.

يم تكن حرارة الرمال وحدها ما يدفعه إلى الأمام، بل كانت صورة أمه التي تنتظره في البيت تناديه، لأن الماء الذي في يده، هو ما تعتمد عليه العائلة اليوم لتجهيز طعام الغداء.

حين عاد بالجالون، لم يكن قد عاد بالماء فقط، لقد عاد بما يكفي لتشعر الأسرة أن يومها يمكن أن يستمر.

ووفق "يونيسف" فإن نحو (1.1) مليون طفل في غزة ظلوا يواجهون عدم اليقين بشأن المياه، فيما كانت (82%) من الأسر تعاني انعدامًا في الأمن المائي، وكان ما يصل إلى (70%) منها لا يستطيع الحصول على الحد الأدنى البالغ ستة لترات للفرد يوميًا للشرب والطبخ، وفق بيانات مايو/أيار 2026م.

وهكذا، صار ما كان يخرج من الصنبور دون تفكير، يحتاج إلى طابور وطريق ملغم بالركام والمخاطر.. وصار الوصول به إلى خيمةٍ وعائلةٍ تنتظر "سببًا كافيًا للفرح".

جوان.. فرحت لأنها نامت

وفي إحدى ليالي الحرب نامت جوان داوود، وهي تعرف جيدًا أنها لن تنعم بنومٍ عميقٍ بسبب القصف المتواصل الي يطال أطراف مواصي خانيونس وامتدادها كل ليلة.

نامت.. واستيقظت في الصباح! "نعم إنه الصباح" قالتها الفتاة (14 عامًا) بفرحةٍ عارمة، فهذه الليلة نامت دون أن تستيقظ مرات بسبب قصفٍ قريب.

كانت تلك أول ليلةٍ لم تنتزعها فيها أصوات الحرب من نومها، استيقظت "فرحانة".. وهذا امتيازٌ نادر لا يستطيع كل الأطفال بغزة أن يحصلوا عليه.

وتظهر بيانات تقييم أجرته "يونيسف" أواخر 2025م، ومطلع 2026م أن اضطرابات النوم كانت من أكثر التغيرات النفسية شيوعًا لدى الأطفال في قطاع غزة، إذ أبلغ (40%) من مقدمي الرعاية عن مشكلات في النوم لدى أطفالهم، وبدأت (92%) من الأعراض التي رصدوها بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023م.

طبق حلو

وفي بيت أم عبد الله السيد، يبدأ الفرح حين تستطيع أن تصنع لأطفالها طبقًا اشتهوه. حين تجد مكوناته كلها في صندوق مساعدات. وحين يخبرها الجميع كم كان لذيذًا.

في غزة، لم تعد الرغبة في طعام معين تعني القدرة على شرائه، ولا يعني توفر المال بالضرورة العثور على كل ما تحتاجه الأسرة.

ومع استمرار هشاشة الأمن الغذائي، ما تزال الأسر تعتمد على المساعدات والمطابخ المجتمعية لتوفير جزء من احتياجاتها، ففي أغسطس/آب 2026م، كانت (95) مطبخًا مجتمعيًا تنتج نحو (712) ألف وجبة يوميًا في أكثر من ألف موقع في القطاع، وفق (OCHA).

لذلك، حين تضع أم عبد الله طبقًا أمام أبنائها، فإنها لا تقدم لهم الطعام فقط، بل تمنحهم لحظةً تشبه الحياة التي يعرفونها قبل أن تصبح التفاصيل الصغيرة معارك يومية.

وترى الأخصائية النفسية ليلى علي، أن هذا التحول في معنى الفرح مفهوم في سياق الحرب، فالإنسان الذي يعيش طويلًا في الخطر لا يعود يبحث عن السعادة بالمعنى المعتاد، بقدر ما يبحث عن لحظات تمنحه إحساسًا مؤقتًا بالأمان والسيطرة على تفاصيل حياته.

وتوضح أن الفرح في غزة غالبًا ما يأتي مشوبًا بالذنب،س فقد يفرح الناجي بنجاته، ثم يتذكر شخصًا فقده، أو يحتفل بميلاد طفل داخل خيمة، بينما يغيب عن المناسبة بيتٌ وأشخاص كانوا يصنعون فرح المناسبات سابقًا. "لذلك لا يكون الفرح كاملًا، بل تختلط به الغصة والحنين" تقول.

وتشير علي إلى أن بعض مظاهر الفرح تتحول كذلك إلى "فعل مقاومة نفسية"، فالأسرة التي تزين خيمتها في مناسبة، أو تحاول إقامة احتفال بسيط، أو تصنع حلوى لأطفالها، لا تستعيد المناسبة فقط، بل تحاول الحفاظ على شعورها بأنها ما تزال قادرة على ممارسة الحياة.

أما الأطفال، فتلفت إلى أن الفرح قد يعود إليهم عبر الذاكرة: صورة لعبة قديمة، ذكرى عيد، منزل، حديقة أو يوم عادي قبل الحرب.

وفي ظل غياب كثير من هذه الأشياء، تصبح الذاكرة نفسها مكانًا يستعيدون فيه شعورًا افتقدوه، "لكن الأهم، هو عدم الاستهانة بهذه التفاصيل الصغيرة، فاللعب والضحك والاحتفال والقدرة على الاستمتاع بلحظة آمنة ليست ترفًا للأطفال، بل جزء من احتياجاتهم النفسية، خصوصًا في بيئة أنهكتها الصدمات المتكررة" تضيف.

في غزة، لم يختفِ الفرح تمامًا.. لقد صغُر فقط، صار دميةً اسمها "لولو"، وجالون ماء ملآن، وليلة بلا قصف، وطبق حلو.. صار الفرح شيئًا يمكن حمله باليد، أو الوصول إليه بعد طابور، أو انتظاره طوال الليل.

وربما لهذا، حين يفرح الغزيون اليوم، لا يفرحون لأن الحياة أصبحت بخير، بل لأن شيئًا صغيرًا فيها، رغم كل ما حدث، ما يزال قادرًا على أن يكون بخير.

البوابة 24