موسى الصفدي:
لم يكن خطاب الرئيس محمود عباس أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة خطاباً احتفالياً أو مجرد تكرار للشعارات الوطنية التي درج الفلسطينيون على سماعها في المحافل الدولية، بل جاء في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، حاول فيها وضع المجتمع الدولي أمام صورة الواقع كما يعيشه الشعب الفلسطيني، وربط المأساة الإنسانية بالمشروع السياسي والقانوني الذي يسعى الفلسطينيون من خلاله إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد دولتهم المستقلة. وتكتسب أهمية الخطاب من أنه لم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً إنسانياً منفصلاً عن جذورها السياسية، بل أعاد التأكيد على أن أصل المأساة هو استمرار الاحتلال والاستيطان وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير. وهذا الطرح ينسجم مع الموقف الثابت للأمم المتحدة التي أكدت في قراراتها أن استمرار الاستيطان في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، يمثل انتهاكاً للقانون الدولي وعقبة أمام حل الدولتين. كما أظهر أحدث تقرير للأمين العام بشأن تنفيذ القرار 2334 استمرار النشاط الاستيطاني خلال عام 2026، بما في ذلك تقدم أو إقرار آلاف الوحدات الاستيطانية. القوة الأساسية في خطاب الرئيس أنه لم يقدّم صورة مبسطة للمشهد الفلسطيني. فقد وضع غزة والضفة الغربية والقدس واللاجئين والمؤسسات الوطنية والاقتصاد الفلسطيني ضمن منظومة واحدة من التحديات. وفي غزة، ركز الخطاب على حجم الكارثة الإنسانية والدمار الذي أصاب مقومات الحياة. وفي الضفة الغربية، توقف عند الاستيطان وتقطيع أوصال الأرض والاقتحامات وإرهاب المستوطنين ومخاطر مخططات من شأنها التأثير في إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً. وهذه المخاوف ليست مجرد توصيف سياسي فلسطيني؛ فالأمم المتحدة نفسها أشارت في تقاريرها إلى استمرار التوسع الاستيطاني، وإلى أن هذه التطورات تهدد إمكانية تنفيذ حل الدولتين. وفي تقريرها الصادر في يونيو/حزيران 2026، وثقت الأمم المتحدة تقدم أو اعتماد 4,750 وحدة سكنية في الضفة الغربية والقدس الشرقية خلال الفترة التي يغطيها التقرير، إضافة إلى قرارات استيطانية أخرى. من أبرز عناصر الخطاب تأكيده أن اللجوء إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية يمثل، في الرؤية الفلسطينية، مساراً سياسياً وقانونياً سلمياً للحصول على الحقوق، وليس بديلاً عن السلام. وتتضح أهمية هذه النقطة في ظل منع الرئيس والوفد الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك للعام الثاني على التوالي. وقد أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026 ترتيبات تسمح للرئيس عباس ومسؤولين فلسطينيين آخرين بالمشاركة افتراضياً إذا تعذر سفرهم إلى الولايات المتحدة. وبصرف النظر عن الخلافات السياسية حول هذه المسألة، فإن طرحها في الخطاب يضع مبدأ المشاركة الفلسطينية في النظام الدولي في صلب النقاش، ويؤكد تمسك القيادة الفلسطينية بالأدوات الدبلوماسية والقانونية. اللافت أيضاً أن الخطاب لم يكتفِ بالمطالبة بوقف الحرب، بل تحدث عن اليوم التالي لغزة وعن ضرورة إعادة توحيد القطاع والضفة الغربية والقدس الشرقية ضمن إطار سياسي ومؤسسي فلسطيني واحد. وقد صاغ الرئيس هذا التصور في عبارات واضحة حول دولة واحدة وحكومة واحدة وقانون واحد وسلاح شرعي واحد، بما يعكس محاولة الانتقال من إدارة الانقسام والأزمة إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الوحدة المؤسسية. كما أشار إلى قرار مجلس الأمن 2803 الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والمتعلق بالخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، وهو قرار اعتمده المجلس بأغلبية 13 صوتاً دون أصوات معارضة وامتناع عضوين. ربما كان أكثر جوانب الخطاب وضوحاً قوله إن الفلسطينيين لا يريدون عملية جديدة لإدارة الصراع بينما تتغير الأرض يومياً، وإنما مساراً يقود إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية وتقرير المصير. وهذه الفكرة تنقل النقاش من سؤال "كيف نهدئ الصراع؟" إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف ينتهي الاحتلال ويصبح السلام قائماً على أساس سياسي قابل للاستمرار؟ وفي الوقت نفسه، جدد الخطاب الالتزام بحل الدولتين، ورفض استهداف المدنيين والإرهاب والتطرف والعنصرية والكراهية، والتأكيد على قيام دولة فلسطينية ديمقراطية تحترم القانون وحقوق الإنسان وتعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل. وهنا تكمن واقعية الخطاب السياسية: فهو لا يطرح التحرر الوطني باعتباره مشروعاً منفصلاً عن السلام، ولا يطرح السلام باعتباره بديلاً عن الحرية والاستقلال. لم يقتصر الخطاب على الاحتلال والسياسة الخارجية، بل خصص مساحة للإصلاح الداخلي، والحوكمة والشفافية والمساءلة وسيادة القانون وتمكين المرأة والشباب وتجديد المؤسسات والانتخابات. وهذا الجانب مهم لأن المشروع الوطني لا يمكن أن يستند فقط إلى المطالبة بالحقوق في مواجهة الاحتلال، بل يحتاج أيضاً إلى مؤسسات قادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني وإدارة شؤونه وتجديد شرعيتها. ومن هذه الزاوية، فإن حديث الرئيس عن الانتخابات وتجديد مؤسسات المجلس الوطني والانتقال لاحقاً إلى الانتخابات الرئاسية يضع التجديد الديمقراطي في إطار المشروع الوطني، لا باعتباره قضية إدارية منفصلة. يمكن قراءة خطاب الرئيس محمود عباس باعتباره محاولة لوضع القضية الفلسطينية أمام المجتمع الدولي في معادلة واضحة: الفلسطيني يريد الحرية والاستقلال، لكنه لا يريدها خارج القانون الدولي؛ يريد السلام، لكنه لا يقبل أن يتحول السلام إلى إدارة دائمة للاحتلال؛ يريد دولة، لكنه يرى أن قيامها يحتاج إلى حماية الأرض الفلسطينية من الاستيطان والضم والتهجير. لقد أكد الخطاب أن الشعب الفلسطيني لن يغادر أرضه، وأن مستقبله يجب أن يقرره بنفسه، وفي الوقت ذاته مدّ اليد إلى السلام القائم على الشرعية الدولية. وفي لحظة فلسطينية وإقليمية ودولية بالغة التعقيد، تبدو القيمة السياسية الأساسية للخطاب في جمعه بين ثلاثة مسارات متلازمة: حماية الشعب، حماية الأرض، وحماية المشروع الوطني. وهذه ليست مجرد عناوين خطابية، بل شروط مترابطة لأي تسوية مستقبلية: فلا سلام مستداماً من دون حرية، ولا دولة قابلة للحياة من دون أرض متصلة، ولا مشروع وطني قادراً على الصمود من دون مؤسسات فلسطينية موحدة ومتجددة. ومن هنا، فإن الرسالة الأبرز التي حملها الخطاب إلى المجتمع الدولي هي أن الشعب الفلسطيني لا يطلب إدارة أزمته إلى ما لا نهاية، وإنما يطلب إنهاء أسبابها: الاحتلال، والاستيطان، والتهجير، وغياب تقرير المصير، والوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، عاصمتها القدس الشرقية، وفق المرجعيات والقرارات الدولية.
