أمهات وآباء ومعيلات.. لهذا لا وقت للحزن في حياة "أرامل غزة"

صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- حلا أبو عيشة:

من مخيم الأمل بدير البلح، وسط قطاع غزة، تخرج علا صبيحة كل يوم بعد أن تجهز فطور أطفالها الخمسة. تسير في الأزقة بين الخيام وتلتقط أنفاسها في محاولةٍ للتخفيف من ثقل المسؤولية التي ألقيت على عاتقها بعد استشهاد زوجها محمد المغير في أيلول/ سبتمبر 2025م.

تجد جارةٍ تجلس عند باب خيمتها فتجلس بالقرب منها. تتحدث كثيرًا عما تشعر به. تبكي، ثم تبتلع غصتها وتعود إلى الخيمة فاتحةً ذراعيها لأطفالها الذين كلما رأتهم، كان السؤال الذي يباغتها واحدًا: "ماذا لو استشهدتُ أنا ايضًا؟ ماذا سيحدث لهم؟".

تتراوح أعمار أطفال علا بين خمسة و16 عامًا، وبينما لا تعرف حتى اللحظة كيف قُتل زوجها بالتحديد، تعرف جيدًا ما تركه غيابه وراءه. تحكي بحرقة: "كل يوم أصعب من الذي سبقه. المسؤوليات تكبر، وأنا وحدي أقف في مواجهة ما يواجهه الرجال من صعوبة الحياة بغزة".

ومنذ استشهاد زوجها، لم تملك علا رفاهية التوقف عند ذلك الفقد طويلًا. كان عليها أن تغرق في دوامة احتياجات العائلة: أن تؤمن الطعام والماء، وأن ترعى خمسة أطفال، وأن تتعامل مع حياة النزوح بحرّها وبردها وقوارضها وعقاربها وثقوب الخيمة، وفي الوقت ذاته، أن تحافظ على تماسك الأسرة التي تضم مراهقين اثنين يحتاجان لوجود والدهما بالقرب في الوضع الطبيعي.

وفي يوليو/ تموز الماضي، أعلنت وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، أن عدد الأرامل في القطاع بلغ 28,224 أرملة. وكانت قد سجلت قبل الحرب 22,596 أرملة، ما يعني أن العدد الإجمالي ارتفع خلال الحرب بنحو 5,600 أرملة.

معيلة الأسرة

وفي شمال غزة، تعيش ريم عليوة، وهي أمٌ لأربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين و10 أعوام، داخل خيمة نزوح. استشهد زوجها عبد الله في قصف إسرائيلي في مارس/ آذار 2024م، لتجد نفسها مسؤولة وحدها عن أطفالها في ظروف لا توفر للأرملة حتى الحد الأدنى من الاستقرار.

تشير ريم إلى أنها تحاول التخطيط لكل يوم على حدة، فيما أصبحت تفاصيل الحياة اليومية نفسها معركة: من رعاية الأطفال، إلى تأمين احتياجاتهم، والتعامل مع ظروف النزوح، والبحث عن الحد الأدنى من الأمان.

أما شيرين أبو هين (29 عامًا)، فقد وجدت نفسها في موقع مشابه بعد استشهاد زوجها في يناير/ كانون الثاني 2024م، تاركًا لها أطفالًا ثلاثة.

تصف حياتها بعد استشهاده بالقول: "تدمرت"، وتشرح: "كان يحمل معي العبء ويشاركني في تدبير شؤون الأسرة (..) الآن أنا المسؤولة عن أي نزوح جديد، والبحث عن المساعدات، والعمل أو البحث عنه بين فترةٍ وأخرى. أنا المسؤولة عن التربية والتعليم وكل شيء".

وتحكي: "منذ استشهاده، نزحنا 9 مرات. في كل مرة كنت أضطر لحمل أطفالي والتخلي عن بعض أمتعتي حتى استقر بي الحال هنا في مواصي خانيونس، أعاني حر الصيف وبرد الشتاء ونقص المساعدات، وانعدام الدخل، وأيضًا الرصاص الطائش".

وهكذا، يتعدى استشهاد الأزواج بغزة فكرة الفقد، ليصبح إعادة توزيع كاملة لأدوار الحياة، "وجدت نفسي أمام عاصفة من المسؤوليات التي تستهلكني نفسيًا يومًا بعد يوم. لم أعد قادرة حتى على تلبية بعض الرغبات البسيطة لأطفالي" تضيف ريم.

وتطرح مثالًا: "يرى أطفالي أقرانهم يأكلون الحلوى أحيانًا، بينما أنا لا أستطيع توفيرها. يطلبونها، فأضطر لإبقائهم داخل الخيمة حتى لا يروا ما لا أستطيع شراءه"، مردفةً بقهر: "هذا يضيف طبقة أخرى إلى حزني. أنا لا أواجه الفقد وحسب، بس أواجه تبعاته القاسية.. شعور العجز أمام أطفالي هو الأقوى، بينما تتراكم المسؤوليات فوق ظهري بما لا أستطيع حمله وحدي".

"صدمة مركبة"

وتصف الأخصائية النفسية ليلى علي، ما تعيشه الأرامل في القطاع بأنه "صدمة مركبة"، ففقد الزوج لا يعني فقدان شريك الحياة فقط، بل فقد شبكة من الدعم والأمان والاستقلالية التي كانت مرتبطة به وفق تعبيرها.

وتوضح أن الأرملة قد تنتقل فجأة من كونها زوجة إلى أب وأم ومعيل وحيد، "وهذا يدفعها إلى كبت حزنها وتأجيله لصالح تأمين الاحتياجات الأساسية، مثل الماء والطعام ورعاية الأطفال".

وتربط الأخصائية بين الفقد والفقر وضغوط النزوح وبين تدهور الحالة النفسية، مشيرة إلى انتشار أعراض اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب بين الأرامل.

وتشير إلى أن الأرملة قد تدخل في حالة من التبلد العاطفي أو تلجأ إلى كبت مشاعرها، لأن متطلبات البقاء لا تمنحها الوقت الكافي للحزن، "فبين البحث عن الماء والوقوف للحصول على الطعام وتأمين الأطفال، يصبح التعامل مع الفقد مؤجلًا إلى أجل غير مسمى" تعقب.

وتحذر من أن الضغط النفسي لا يبقى بالضرورة محصورًا في الأم، إذ قد ينتقل أثره إلى الأطفال من خلال التوتر والانفعال والإهمال العاطفي، في وقت تكون فيه الأسرة قد فقدت أصلًا أحد أهم مصادر الأمان والدعم، متابعةً: "الفقد في غزة لا يأتي منفردًا، بل يتزامن في كثير من الحالات مع فقد أقارب آخرين، وتدمير المنازل، والنزوح، وهو ما يجعل الوصول إلى مرحلة تقبل الفقد أكثر تعقيدًا".

في غزة، حيث لا تزال الخيام والنزوح ونقص الاحتياجات الأساسية جزءًا من الحياة اليومية، لا ينتهي الفقد عند لحظة استشهاد الزوج، بل يبدأ بعدها فصل آخر، طويل ومفتوح، تحاول فيه الأرملة أن تحزن على من فقدته، بينما يُطلب منها في الوقت نفسه أن تواصل الحياة من أجلها ومن أجل أطفالها.

البوابة 24