المحامي علي أبوحبلة:
ثمة فارق كبير بين أن نتحدث عن الانتخابات الفلسطينية باعتبارها استحقاقاً ديمقراطياً ضرورياً، وبين أن نتعامل معها وكأن مجرد تحديد موعدها كافٍ لإعادة بناء الثقة وتجديد الشرعية وإنهاء أزمات النظام السياسي. وبين الأمرين مسافة لا يجوز تجاهلها، خصوصاً في ظل واقع فلسطيني شديد التعقيد، وشعب أنهكته الحرب والانقسام والاحتلال وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ولهذا فإن بعض التوقعات المتداولة حول الانتخابات التشريعية، وخرائط التحالفات والمقاعد والنتائج المحتملة، تبدو أحياناً أقرب إلى أحلام اليقظة السياسية منها إلى قراءة واقعية للشارع. المشكلة ليست في إجراء الانتخابات، بل في السؤال الأهم: هل تدرك النخب السياسية حجم المسافة التي تفصلها عن المواطن؟ الشارع الفلسطيني يعيش أزمة مختلفة عن تلك التي تناقشها الغرف السياسية المغلقة. فهناك أسرة تبحث عن مصدر دخل، وشاب ينتظر فرصة عمل، وموظف يواجه أعباء المعيشة، وعائلة فقدت منزلها أو مصدر رزقها، ومواطن يواجه صعوبة في الحصول على أبسط حقوقه وخدماته الأساسية. وفي غزة تتضاعف المأساة الإنسانية والاقتصادية بصورة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. في المقابل، ينشغل جزء من الخطاب السياسي بتشكيل القوائم، وتوزيع المواقع، والحسابات التنظيمية، والتحالفات، ومن سيترشح ومن سينسحب ومن يملك القدرة على حصد المقاعد. هنا تحديداً تظهر فجوة الثقة. ليس من الواقعية السياسية أن نتوقع من المواطن أن ينظر إلى الانتخابات بالمنظار ذاته الذي تنظر به إليها القيادات الحزبية والتنظيمية. بالنسبة إلى بعض النخب، الانتخابات معركة سياسية على النفوذ والتمثيل؛ أما بالنسبة إلى المواطن، فهي لن تكون ذات معنى حقيقي إذا لم ترتبط بتحسين حياته وصيانة حقوقه واستعادة احترام القانون والمؤسسات. والأخطر أن يتحول المواطن إلى مجرد «صوت انتخابي» مطلوب في يوم الاقتراع، ثم يعود بعد إعلان النتائج إلى دائرة النسيان. الانتخابات ليست مهرجاناً موسمياً، ولا مناسبة لإعادة إنتاج النخب، ولا آلية لتبادل المواقع. جوهرها أن تمنح الشعب حق اختيار ممثليه ومحاسبتهم، وأن تنتج مجلساً تشريعياً مستقلاً وقادراً على التشريع والرقابة والمساءلة، لا مجلساً يتحول إلى واجهة سياسية أو امتداد للتوازنات الفصائلية. ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن النتائج هو: ماذا ستقدم القوى السياسية للشعب؟ أين البرامج الاقتصادية؟ أين الحلول للبطالة والفقر؟ أين خطط حماية الحريات العامة؟ أين الإصلاح الإداري؟ أين استقلال القضاء؟ أين مكافحة الفساد وفق القانون؟ أين حماية المال العام؟ وكيف سيعمل المجلس التشريعي على إعادة الاعتبار للرقابة والمساءلة والفصل بين السلطات؟ لا يكفي أن يحمل المرشح تاريخاً تنظيمياً أو مكانة اجتماعية أو حضوراً إعلامياً. عضوية المجلس التشريعي مسؤولية عامة وليست مكافأة سياسية، ولا ينبغي أن تكون مجرد امتداد للترتيبات التنظيمية. المطلوب نواب يمتلكون المعرفة القانونية والسياسية والقدرة على التشريع والرقابة والاستقلالية والجرأة في مساءلة السلطة التنفيذية، أياً كان انتماؤها. كما أن الشعب الفلسطيني ليس مجرد جمهور ينتظر ما تقرره القيادات. إنه صاحب الحق الأصيل في اختيار ممثليه، وتقييم البرامج، ومحاسبة من يفوز بثقته. لذلك، على القوى والفصائل أن تنزل من أبراج الحسابات التنظيمية إلى واقع الناس. لا تغرقوا في التفاؤل، ولا تبيعوا الشارع أوهاماً انتخابية قبل أن تستمعوا إلى وجعه. فالانتخابات قد تكون مدخلاً مهماً لإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية، لكنها لن تكون عصاً سحرية لحل الأزمات. نجاحها الحقيقي لا يقاس بعدد القوائم ولا بحجم الدعاية ولا بتوقعات مراكز النفوذ، وإنما بقدرتها على إعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة والقانون والمساءلة. الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى مزيد من الوعود؛ يحتاج إلى تمثيل حقيقي، ومؤسسات خاضعة للقانون، وقرار سياسي يستمع إليه قبل أن يطلب صوته. وفي النهاية، ستبقى صناديق الاقتراع وحدها صاحبة الكلمة عندما يحين موعدها. أما الذين يستبقون إرادة الناخبين بتوزيع المقاعد ورسم خرائط النتائج، فعليهم أن يتذكروا أن الشارع الفلسطيني ليس هامشاً في المعادلة السياسية، بل هو أصل الشرعية ومصدرها
