حين تصبح صحة المرأة مؤجلة.. حكايات منى وأماني وأية مع سرطان الثدي

صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- بسمة أبو ناصر:

كان هناك شيء تغير في جسد منى، لكنها لم تجد فرصة لتعرف ما يعنيه ذلك. ففي منتصف الحرب، لاحظت تغيرًا في منطقة من ثديها، دون أن تتمكن من فحصه.

قبل الحرب، كانت منى جادالله (53 عامًا)، وهي أم لثلاث بنات، تحرص على المتابعة المنتظمة لصحة ثدييها؛ فتراجع العيادة لإجراء تصوير الماموغرام مرة كل عام تقريبًا، والموجات فوق الصوتية كل ستة أشهر، إلى جانب الانتباه إلى أي تغيرات قد تطرأ على ثدييها. لكن النزوح المتكرر والظروف المعيشية القاسية دفعاها تدريجيًا إلى التوقف عن هذه المتابعة، بما في ذلك الفحص الذاتي للثدي، بعدما أصبحت الأولوية لتأمين احتياجات أسرتها.

أثار التغير قلق منى، لكنها لم تتمكن من التحقق منه طبيًا، لتبقى دون إجابة بشأن ما إذا كان عابرًا أم يستدعي القلق. وتقول: "شعرت أن هناك أمرًا ما في منطقة الثدي، لكن القصف المتكرر وصعوبة الوضع لم يتركا لي فرصة لأذهب إلى مركز صحي أو مستشفى لأطمئن على صحتي". 

ولا تبدو حالة منى فردية في ظل الظروف التي فرضتها الحرب على النساء في غزة. فبحسب مدير جمعية سلامتك والناطق الإعلامي باسمها، د. أسامة البلعاوي، لم يقتصر أثر الحرب والنزوح على صعوبة الوصول إلى العلاج، بل امتد إلى متابعة صحة الثدي والكشف المبكر عن سرطان الثدي، في ظل انشغال النساء بتأمين احتياجات أسرهن الأساسية من ماء وغذاء ومأوى وأمان.

لكن الحرب لا تدفع جميع النساء إلى النتيجة نفسها؛ فبينما اضطرت منى إلى تأجيل متابعة صحتها، تحاول أماني شنينو (35 عامًا) الحفاظ على الفحص الذاتي للثدي رغم الأعباء التي فرضتها الحرب عليها. أماني، وهي أم لثلاثة أطفال، تنشغل بتأمين احتياجات أطفالها الأساسية من الماء والغذاء، وتواجه تبعات النزوح وفقدان منزلها وأفراد من عائلتها، إلى جانب مواصلة عملها كصحفية.

وتقول أماني: "كان الفحص الذاتي للثدي جزءًا أساسيًا من روتيني، ولا أتنازل عنه. فالحرب قد تعطل كل شيء حولنا، لكنها لم تمنعني من الاهتمام بصحتي".

وترى أماني أن الانشغال بتفاصيل الحياة اليومية لا ينبغي أن يدفع النساء إلى تجاهل أي تغير جديد في الثدي، وأن عليهن طلب المشورة الطبية عند الإمكان. لكنها تؤكد أن المسؤولية لا تقع على المرأة وحدها، بل تتطلب دورًا من المؤسسات الصحية والمجتمعية المحلية والدولية، عبر توفير المعلومات والدعم والخدمات التي تساعد النساء على متابعة صحتهن رغم ظروف الحرب.

أما أية المقيد (25 عامًا)، فكان دافعها إلى الاهتمام بصحة ثدييها مرتبطًا بإصابة والدتها بسرطان الثدي عام 2023. واكتُشف المرض في مرحلة متوسطة، ما استدعى استئصال 12 غدة ليمفاوية وأجزاء من الثدي.

وتقول أية إن تجربة والدتها دفعتها إلى متابعة أي تغيرات قد تطرأ على ثدييها، فاعتادت إجراء الفحص الذاتي كل شهرين أو ثلاثة، والانتباه إلى أي تغير في الحجم أو الشكل، أو ظهور كتلة أو تغيرات غير معتادة، مشيرة إلى أن هذا الفحص أصبح بالنسبة إليها وسيلة لمراقبة جسدها والانتباه إلى ما قد يستدعي الاستشارة الطبية، في ظل تجربة أسرتها مع المرض.

لكن هذه المتابعة لم تمتد إلى الفحوص الطبية الدورية؛ إذ واجهت أية صعوبة في حجز المواعيد، إلى جانب نقص أجهزة الماموغرام وتعذر الوصول إليها خلال الحرب. وتوضح أن كثرة المسؤوليات والضغوط اليومية قد تدفع النساء إلى تأجيل متابعة صحتهن، حتى عندما يدركن أهمية الفحوص الطبية.

وتقول أية إن تجربة والدتها جعلتها أكثر انتباهًا إلى صحتها، لكنها أدركت في الوقت نفسه أن الوعي وحده لا يكفي عندما تصبح الفحوص الطبية صعبة الوصول.

وهذه الفجوة بين الوعي والقدرة على الوصول إلى الفحص تظهر في بيانات جمعية سلامتك، إذ يشير البلعاوي إلى ارتفاع نسبة النساء اللواتي أبلغن عن تأخر في التشخيص من نحو 17% قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول إلى قرابة 40% بعده. كما تظهر البيانات التي تعمل عليها الجمعية أن نحو 80% من الحالات اكتُشفت بعد ظهور الأعراض، مقابل 20% اكتُشفت من خلال الفحص الذاتي. ويعزو البلعاوي ضعف الاكتشاف المبكر إلى ظروف الحرب والنزوح التي دفعت النساء إلى تأجيل المتابعة، حتى مع وعيهن بأهمية الانتباه إلى أي تغير في الثدي.

ويوضح البلعاوي أن الفحص الذاتي لا يشخّص سرطان الثدي ولا يغني عن الفحص السريري أو التصوير الطبي، لكنه يساعد المرأة على ملاحظة أي تغير جديد أو غير معتاد في الثدي، مثل ظهور كتلة، أو تغير في حجمه أو شكله، أو انكماش الجلد، أو تغيرات في الحلمة أو إفرازات غير طبيعية. ويؤكد أن هذه العلامات لا تعني بالضرورة الإصابة بالسرطان، لكنها تستدعي الانتباه والتقييم الطبي عند توفر إمكانية الوصول إلى الرعاية.

ولا تقتصر تداعيات الحرب، بحسب البلعاوي، على تأخر اكتشاف المرض، بل تمتد إلى رحلة العلاج نفسها، في ظل النقص في أدوية الأورام وصعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية المتخصصة. ويشير، نقلًا عن بيانات وزارة الصحة، إلى أن العجز في أصناف أدوية الأورام وصل إلى نحو 60%، فيما يقول مدير مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية إن ما بين ثلاث وخمس وفيات يوميًا تُسجل بين مرضى السرطان في الفترة الحالية، مقارنة بحالة إلى حالتين يوميًا قبل الحرب.

وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة في 30 سبتمبر 2026 بأن القطاع كان يسجل نحو 360 حالة جديدة من سرطان الثدي سنويًا قبل الحرب، بينما شُخّصت 250 حالة خلال عام 2024 ونحو 260 حالة في 2025. ولا تقدم الوزارة حصيلة نهائية لعام 2026، محذرة من أن انهيار خدمات الفحص والتشخيص يجعل الأرقام المسجلة لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للمرض، في ظل النقص الحاد في أجهزة الماموغرام والمستلزمات الطبية.

وأمام هذا التعثر في منظومة التشخيص والعلاج، يرى البلعاوي أن التوعية لا تكفي إذا تُركت المرأة وحدها بعد ملاحظة أي تغير في الثدي، بل يجب أن تترافق مع مسار واضح للتشخيص والعلاج والإحالة والتأهيل، مشددًا على أن "الوقت جزء من العلاج"، وأن فائدة الكشف المبكر تتراجع إذا لم تتوفر خدمات صحية قادرة على استقبال النساء ومتابعة حالاتهن.

البوابة 24