حين يصبح المطر كابوساً.. نازحو غزة يستعدون لشتاء جديد داخل خيام مهددة بالغرق

غرق خيام النازحين في غزة
غرق خيام النازحين في غزة

غزة/ البوابة 24- ريم سويسي:

كلما فتحت وعد مطر هاتفها لتتصفح أحوال الطقس، لم تعد تبحث عن درجات الحرارة أو موعد هطول المطر، بقدر ما تبحث عن إجابة لسؤال يؤرقها؛ هل يقترب منخفض جوي جديد؟

منذ الشتاء الماضي، أصبح المطر بالنسبة للأم، البالغة من العمر 34 عاماً، مرتبطاً بذكرى لا تستطيع التخلص منها. خلال أحد المنخفضات الجوية، غرقت خيمتها، وكانت طفلتها التي لم تتجاوز عامها الأول بين ضحايا تلك الليلة التي ما زالت تفاصيلها تطاردها.

اليوم، تعيش وعد في مخيم الديرة شمالي غرب قطاع غزة، بعدما دمر منزلها في أبراج الكرامة، وتستعد لشتاء جديد داخل خيمة مؤقتة. وبينما تتنبأ الأرصاد بموسم شتوي قاسٍ، تستعيد هي مخاوف الشتاء الماضي، وتفكر في أطفالها قبل أي شيء آخر: كيف ستحميهم إذا عادت المياه إلى الخيمة؟ لم يعد الشتاء لوعد موسماً للأمطار، بل موعداً محتملاً لعودة الكابوس.

في هذا المخيم الواقع شمالي غرب قطاع غزة، تتوزع عدة عائلات على مساحة لا تتجاوز دونمين، في أرض تفتقر إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب احتياجات النازحين. ومع اقتراب الشتاء، تتحول الخيام المهترئة إلى مصدر قلق يومي لسكانها، فيما يقول سكان في المخيم إن أمطار الموسم الماضي تسببت في غرق أكثر من 20 خيمة.

في مخيم الديرة، يبدو الاستعداد للشتاء أشبه بعمل جماعي لا ينتهي. هذا يشد حبال خيمته ويغرسها في الأرض لتثبيتها، وذاك يساعد والده في رفع شادر فوق خيمة أنهكتها الشمس والرياح، فيما تنشغل أخرى بتصوير خيمتها بهاتفها المحمول، وتوجه عبره نداء استغاثة أملاً في الحصول على خيمة جديدة قبل أن تهطل الأمطار.

غرق حيام النازحين.webp
 

داخل المخيم، لا ينتظر النازحون هطول المطر حتى يواجهوا آثاره. قبل وصول المنخفضات الجوية، تبدأ طقوس الاستعداد؛ أكياس رمل وحجارة ثقيلة تُرص حول الخيام، حبال تُشد بإحكام، وأوانٍ معدنية وجرادل توضع أسفل الثقوب في الشوادر تحسباً لتسرب المياه. وفي المناطق المنخفضة، يحفر بعض السكان قنوات صغيرة بين الرمال لتصريف مياه الأمطار بعيداً عن خيامهم.

ويشير أحمد زهد، 44 عاماً، أحد سكان المخيم، إلى أنهم يتفقدون حبال الخيام باستمرار ويتأكدون من قدرتها على مقاومة الرياح، فيما يحاولون منع المياه من التكدس أمامها. لكن كل هذه الإجراءات لا تبدد الخوف تماماً؛ فعندما يتوقعون هطول أمطار غزيرة، يقضون الليل مستيقظين، يتحسسون أطفالهم في الظلام، ويتأكدون من أن المياه لم تصل إلى داخل الخيمة.

أزمة المأوى

وبحسب أحدث تقييم لقطاع المأوى في غزة، يحتاج نحو 1.98 مليون من سكان القطاع إلى مساعدات في مجال المأوى والمواد المنزلية الأساسية، فيما يعيش نحو ثلثي الأسر في خيام أو ملاجئ مؤقتة، مع اعتماد متزايد على مواد مؤقتة ومستصلحة لتأمين الحد الأدنى من الحماية والسكن.

واستند التقييم، الذي أجراه المجلس النرويجي للاجئين، إلى نحو 1951 مقابلة مع أسر أُجريت بين 14 و28 يونيو/حزيران الماضي، وأظهر أن أزمة المأوى لا تتعلق بعدد الخيام المتاحة فحسب، بل بقدرتها على توفير ظروف معيشية آمنة وملائمة؛ إذ صُنفت ظروف أكثر من أربع من كل خمس أسر بأنها «حرجة أو كارثية».

وما يحدث في مخيم الديرة ليس حالة معزولة؛ فبالنسبة إلى مئات الآلاف من النازحين في قطاع غزة، تحولت الخيام والملاجئ المؤقتة إلى مساكن مفتوحة على مخاطر المطر والبرد والرياح، في ظل دمار واسع طال قطاع السكن والبنية التحتية وشحّ في مواد الإيواء.

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في بيان صدر في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تضرر نحو 201 ألف مبنى في قطاع غزة، أي ما يقارب 82% من إجمالي المباني، منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 16 يونيو/حزيران 2026. وأوضح الجهاز أن أكثر من 134 ألف مبنى دُمر بالكامل، فيما تضررت نحو 329 ألف وحدة سكنية.

وفي ظل هذا الدمار، لا تتعلق أزمة المأوى بتهالك الخيام القائمة فقط، بل أيضاً بقدرة الجهات الإغاثية على توفير بدائل ومواد إيواء أكثر ملاءمة للظروف الجوية. ومع احتياج أعداد كبيرة من النازحين إلى خيام ومواد قادرة على توفير حماية أفضل، تبقى الاستجابة مرتبطة بتوافر هذه المواد وإمكانية إدخالها وتوزيعها في القطاع.

غرق خيام النازحين غزة.jpg
 

مخاطر صحية وبيئية

ولا يقتصر خوف النازحين على المياه التي قد تتسلل إلى خيامهم؛ فالأمطار قد تحمل معها القمامة والنفايات المتراكمة في محيط المخيمات، وتدفعها نحو أماكن الإقامة المؤقتة، بما تحمله من مخاطر صحية، خصوصاً في مناطق مكتظة تفتقر إلى خدمات الصرف والنظافة.

إبراهيم عواجة، النازح في مخيم الديرة، يعيش هذا الخوف مع أطفاله الأربعة ووالديه المسنين. كما ناشد، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الجمعيات والمؤسسات الإغاثية المساعدة في معالجة مشكلة القمامة، خشية أن تدخل إلى خيمته مع مياه الأمطار وتزيد من مخاطر الأمراض.

ويواجه عواجة اقتراب الشتاء بوضع شادر فوق خيمته المهترئة، ورص أكياس الرمل أمامها في محاولة لصد المياه، خصوصاً أنها تقع في منطقة منخفضة. لكنه يرى أن هذه الإجراءات لا تحل المشكلة من جذورها، وأن ما يحتاجه وعائلته هو مأوى أكثر أماناً يحميهم من الغرق ومخاطر البيئة المحيطة.

ويصف ربيع الأخرس، 45 عاماً، اقتراب الشتاء بأنه «فوبيا حقيقية وحرب أعصاب»، في ظل عدم قدرته على توفير وسائل تدفئة آمنة داخل الخيمة.

ويضيف: «لا نستطيع توفير أي من وسائل التدفئة مثل الفحم داخل الخيمة، أو حتى إيقاد الشموع، خوفاً من حصول حريق في الخيمة قد يودي بحياتنا جميعاً ليلاً ونحن نائمون».

غرق خيام النازحين في غزة.webp
 

بنية تحتية مدمرة

لكن مخاطر الشتاء لا يمكن مواجهتها داخل الخيام وحدها؛ فسلامة النازحين ترتبط أيضاً بقدرة البنية التحتية المحيطة بهم على تصريف مياه الأمطار ومنع اختلاطها بمياه الصرف الصحي.

ويوضح المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا أن البلدية بدأت إجراءات احترازية، من بينها تنظيف مصارف مياه الأمطار وصيانة بعضها وفق الإمكانات المتاحة. إلا أن حجم الدمار يجعل هذه الاستعدادات محدودة؛ إذ دُمر أكثر من 2000 مصرف من أصل أكثر من 4400 مصرف كانت موجودة قبل الحرب.

ويضيف مهنا أن الدمار طال كذلك شبكات ومضخات الصرف الصحي وبرك تجميع مياه الأمطار، مشيراً إلى تدمير أكثر من 212 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي، فيما تضررت ست مضخات، خرجت أربع منها عن الخدمة وبقيت اثنتان تعملان.

كما لحقت أضرار كبيرة ببرك تجميع مياه الأمطار الرئيسية الأربع في مدينة غزة، ولا سيما بركة الشيخ رضوان غربي المدينة، التي تحولت، وفق مهنا، إلى موقع لتجميع مياه الصرف الصحي نتيجة الدمار الذي طال المنطقة المحيطة بها وبنيتها التحتية، مع تسرب مياه الصرف الصحي غير المعالجة إليها، ما يشكل خطراً صحياً وبيئياً.

استعدادات محدودة في دير البلح

وفي دير البلح، تبدو استعدادات البلدية لموسم الشتاء محدودة بدورها أمام اتساع الاحتياجات. ويحذر رئيس البلدية خليل أبو سمرة من أن خيام النازحين المهترئة تمثل أحد أبرز مصادر القلق، وأن البلدية ناشدت الجمعيات والمؤسسات الدولية توفير خيام جديدة، فيما تعمل على معالجة مشكلات تصريف المياه في المناطق الأكثر عرضة للغرق.

ويشير أبو سمرة إلى أن مجرى وادي السلقا، الواقع جنوب شرقي مدينة دير البلح، يمثل تحدياً إضافياً مع اقتراب موسم الأمطار، في ظل مشكلات في الصرف الصحي والحاجة إلى تنظيف المجرى.

كما تواصلت البلدية، وفق أبو سمرة، مع جهات دولية، بينها اليونيسف والصليب الأحمر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، للمساعدة في الاستعداد للشتاء، وأسهمت هذه الجهات في تنظيف مجرى الوادي.

كما طالبت البلدية بتوفير كميات من الرمل والكركار لاستخدامها في حماية المناطق المهددة بالسيول ومساعدة النازحين، إلا أنها لم تتلقَّ، وفق أبو سمرة، استجابة حتى الآن. ويحذر من أن فتح المياه باتجاه مجرى وادي السلقا قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على المناطق المحيطة به.

غرق الخيام.jpeg
 

تحذير من تفاقم المخاطر الصحية

وحذرت منظمة الصحة العالمية، في الأول من سبتمبر/أيلول الماضي، من تفاقم المخاطر الصحية في غزة مع اقتراب موسم الأمطار والشتاء.

وقالت ممثلة المنظمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، رينهيلد فان دي فيردت، إن فحوصاً لأكثر من 6700 عينة مياه أُجريت بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب أظهرت ارتفاع نسبة التلوث الميكروبيولوجي من أقل من 6% في يناير إلى أكثر من 18% في أغسطس، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف.

الشتاء.. انتظار لا ينتهي

ومع اقتراب الشتاء، ستواصل وعد وغيرها من سكان الخيام مراقبة السماء، وتشديد الحبال، ورص أكياس الرمل، وانتظار ما تحمله الغيوم.

بالنسبة إليهم، لم يعد المطر مجرد فصل من فصول السنة، بل احتمالاً لعودة ليلة لا يريدون أن يعيشوها مرة أخرى.

البوابة 24