بعد عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، واصلت إسرائيل توسيع سيطرتها على الأراضي وزيادة نطاق انتشار قواتها، عبر تحريك حدود "الخط الأصفر" المؤقتة نحو الغرب، ما حدّ من المساحة المتاحة للفلسطينيين، في اتجاه معاكس للانسحابات التدريجية التي حددتها مراحل الاتفاق.
عام على اتفاق غزة
ومنذ بدء تنفيذ الاتفاق في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت إسرائيل انسحاب قواتها إلى ما وراء الخط، تاركة نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع تحت الاحتلال، وهي مساحة تضم معظم المناطق الشرقية والشمالية، إضافة إلى مناطق واسعة من مدينة رفح في جنوب غزة.
وأظهرت خرائط الاتفاق "الخط الأصفر" بوصفه الحد المقرر لوصول القوات الإسرائيلية خلال انسحابها في المرحلة الأولى، على أن تستكمل الانسحابات في المراحل اللاحقة.
والجدير بالإشارة أن الخط يفصل بين المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي شرقًا والمناطق التي يسمح للفلسطينيين بالوجود فيها غربًا، لكنه تحول من مسار مؤقت للانسحاب إلى حدود ميدانية يدفعها الجيش تدريجيًا باتجاه الغرب، في ظل تعثر المفاوضات المتعلقة بالانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام، التي يستند إليها الاتفاق، وإعلان إسرائيل رفضها خطة "مجلس السلام" المقدمة في أغسطس/آب الماضي.
وبحسب ما ذكرته تقارير فلسطينية وأممية ودولية، ارتفعت نسبة الأراضي الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة إلى نحو 63 بالمئة في الوقت الراهن، وامتد ذلك إلى حرمان السكان من الوصول إلى مناطقهم، حتى في الأماكن التي لا تشهد وجودًا عسكريًا دائمًا.
وبحجة اقتراب الفلسطينيين من الخط أو تجاوزه، قتل الجيش الإسرائيلي عشرات الأشخاص وأصاب مئات آخرين جراء إطلاق النار والقصف.
وفيما يلي رصد لأهم المحطات التي شهدها التوسع الإسرائيلي في قطاع غزة عبر تحريك حدود "الخط الأصفر" باتجاه الغرب، استنادًا إلى مصادر محلية وتقارير أممية ودولية.
2025.. بداية تحريك الخط
18 و19 أكتوبر/تشرين الأول: شهدت هذه الفترة بدء الجيش الإسرائيلي تثبيت علامات إسمنتية على امتداد "الخط الأصفر"، تعلوها أعمدة مطلية باللون الأصفر يصل ارتفاعها إلى نحو 3.5 أمتار، وفي الوقت نفسه، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن من يعبر الخط أو يحاول اجتيازه سيواجه إطلاق النار.
20 أكتوبر: كشف الجيش الإسرائيلي بدء تحديد مسار الخط الأصفر ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، وبتوجيهات من المستوى السياسي.
23 أكتوبر: أفاد تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" بأن العلامات التي وضعها الجيش تجاوزت المسار المحدد في خرائط الاتفاق بنحو 500 متر في منطقة العطاطرة ببيت لاهيا شمال القطاع، ونحو 290 مترًا في خان يونس جنوبًا.
ديسمبر/كانون الأول: وشملت التحركات الإسرائيلية توسيع نطاق السيطرة في حي التفاح شرق مدينة غزة بنحو 200 متر، إلى جانب تدمير 40 مبنى على الأقل في المنطقة الفاصلة بين المواقع السابقة والجديدة للخط.
2026.. توسع متواصل نحو الغرب
19 يناير/كانون الثاني: وشملت التحركات الإسرائيلية إلقاء منشورات بواسطة مسيرات على سكان حي الرقب، الواقع شمال شرقي دوار بني سهيلا شرق خان يونس، تدعوهم إلى الإخلاء الفوري، وتفيد بأن المنطقة باتت تحت سيطرة الجيش.
22 يناير: كشفت تقارير دولية عن وجود علامات إسرائيلية متقدمة مئات الأمتار غرب المسار الأصلي للخط في خان يونس، كما شملت العلامات مكعبات تبعد نحو 390 مترًا عن المسار السابق، وأخرى تبعد نحو 220 مترًا، بالتزامن مع هدم مبانٍ وتفكيك تجمعين لخيام النازحين.
28 يناير: أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" باستمرار عمليات التجريف والتفجير بمحاذاة الخط الأصفر، مع تسجيل عمليات عسكرية غربه أدت إلى نزوح مدنيين وهدم منازل.
1 مايو/أيار: ظهر مصطلح "الخط البرتقالي" في تصريحات المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، الذي قال إن إسرائيل وسعت احتلالها في غزة من خلال إنشاء ما يعرف بهذا الخط في مناطق وجود الفلسطينيين المحاذية للخط الأصفر، الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية ضمن المرحلة الأولى من خطة إنهاء الحرب.
وفي السياق ذاته، أوضح "دوجاريك" أنه تم إبلاغ الأمم المتحدة بضرورة تنسيق فرق المساعدات الإنسانية تحركاتها مسبقًا مع إسرائيل عند تجاوز "الخط البرتقالي".
10 مايو: تقدمت آليات إسرائيلية بين 200 و400 متر غرب الخط الأصفر في بعض النقاط على محور نتساريم، الممتد من جنوب شرقي مدينة غزة باتجاه المناطق الشرقية من المحافظة الوسطى.
13 مايو: قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" إن الخط امتد بصورة ملحوظة في مدينتي غزة وخان يونس، ما جعل خمسة مواقع تابعة لها قريبة من المنطقة العسكرية، من بينها مدرستان تُستخدمان لإيواء النازحين.
15 مايو: أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن مساحة السيطرة الإسرائيلية بلغت 60 بالمئة من القطاع.
17 مايو: تقدم الجيش الإسرائيلي مجددًا في حي الرقب وحارة الفجم ببلدة بني سهيلا شرقي خان يونس، وأزاح المكعبات الصفراء باتجاه الغرب وهدم منازل، ما دفع عشرات العائلات إلى النزوح غربًا، وفق مصادر محلية وشهود عيان.
12 يونيو/حزيران: حرّك الجيش الإسرائيلي المكعبات الصفراء نحو 300 متر غربًا في مناطق عدة، خصوصًا في حي التفاح شرقي مدينة غزة، وفق تقارير فلسطينية.
ليلة 23 و24 يونيو: نزحت نحو 30 أسرة من ملاجئها إثر تقدم دبابات إسرائيلية باتجاه مفترق العطاطرة شمالي القطاع. كما ألقت طائرة مسيرة ذخيرة حارقة تسببت في اندلاع النيران بثلاث خيام، بحسب مصادر محلية.
29 يونيو: جرى تحريك المكعبات الصفراء نحو 150 مترًا غربًا شمال جسر وادي غزة، ونحو 200 متر غرب المناطق الشرقية من مخيم المغازي للاجئين ومدينة دير البلح وسط القطاع، وفق شهود عيان وتقارير فلسطينية.
يوليو/تموز: وسعت إسرائيل إجراءاتها الميدانية، فلم تعد تقتصر على تحريك المكعبات الصفراء، بل امتدت إلى إقامة حواجز ترابية واسعة، بحسب شهود عيان ومصادر محلية.
من 16 إلى 22 يوليو: توغلت القوات الإسرائيلية في محيط مفترق دولة، جنوب شرقي حي الزيتون شرقي مدينة غزة، وأزاحت المكعبات باتجاه الغرب، ما أدى إلى نزوح عشرات العائلات.
22 يوليو: كشف تحقيق لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، استند إلى صور فضائية، عن وجود حاجز ترابي وخندق أقامتهما إسرائيل وامتدا مئات الأمتار داخل مناطق كان يفترض أن تكون تحت السيطرة الفلسطينية.
28 يوليو: وثقت تقارير إعلامية دولية اتساع نطاق الخط الأصفر في أحياء الزيتون والتفاح والشجاعية شرقي مدينة غزة، وأجزاء من دير البلح وخان يونس ورفح، بالتزامن مع تحريك العلامات وإصدار أوامر إخلاء جديدة.
وفي سياق متصل، تشير الوقائع الميدانية إلى تزامن مسارات التوسع الإسرائيلي في مختلف مناطق قطاع غزة، إذ لم يعد التغيير مقتصرًا على مواقع الانتشار العسكري في المناطق الشرقية، بل امتد إلى محاور داخلية وأحياء مأهولة ومناطق إيواء.
وفي المقابل، تركز وجود السكان، الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة، بصورة متزايدة في الشريط الساحلي الغربي.
هل تتراجع إسرائيل عن مناطق سيطرتها؟
وبالرغم من اختلاف التقديرات بشأن المساحة الدقيقة التي تسيطر عليها إسرائيل، فإن صور الأقمار الصناعية الواردة في التحقيقات الإعلامية الدولية، إلى جانب التقارير الأممية وشهادات السكان، تتفق على تقلص المساحة المتاحة فعليًا للفلسطينيين مع تحرك الخط غربًا.
وخلال 30 سبتمبر/أيلول الماضي، قال نتنياهو إن حكومته لن تعيد إلى الفلسطينيين المناطق التي احتلها الجيش الإسرائيلي خلال حرب الإبادة.
كما نقل موقع تابع للجيش الإسرائيلي، في 2 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عن قائد فرقة غزة ليرون باتيتو قوله إن الجيش يسيطر على 63 بالمئة من مساحة القطاع، وأقام 40 موقعًا عسكريًا جديدًا، معتبرًا أن ذلك يمنحه "حرية عمل ميدانية".
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في قطاع غزة، من خلال القصف وإطلاق النار وتوسيع المناطق الخاضعة لاحتلالها، في مخالفة للالتزامات الواردة في الاتفاق.
وتجدر الإشارة إلى أن الخروقات الإسرائيلية اليومية للاتفاق قد أسفرت عن استشهاد 1445 فلسطينيًا وإصابة 5 آلاف و72 آخرين.
ومنذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنت إسرائيل حرب إبادة جماعية على قطاع غزة بدعم أمريكي، أسفرت عن استشهاد أكثر من 74 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 175 ألفًا، فضلاً عن تدمير قرابة 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.
