أعاد تحقيق صحفي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية فتح ملف الإخفاق الإسرائيلي في هجوم السابع من أكتوبر 2023، بعدما كشف، وفق ما أورده، عن تناقضات بين رواية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن الأحداث السابقة للهجوم، ووثائق أمنية ومحاضر اجتماعات وتقديرات استخباراتية تعود إلى السنوات التي سبقته.
واستند التحقيق، الذي أعده رونين بيرغمان ويوفال روبوفيتش ونُشر في ملحق "7 أيام"، إلى مراجعة وثيقة من 55 صفحة قدمها نتنياهو ردًا على أسئلة مراقب الدولة، ومقارنتها بمستندات أصلية تتعلق بسياسة إسرائيل تجاه قطاع غزة والتحذيرات من تصاعد قدرات حماس.
وبحسب الصحيفة، حاول نتنياهو إظهار أن الأجهزة الأمنية هي التي تبنت تقديرات قللت من احتمالات الهجوم، وأنه لم يتلق معلومات كافية عن خطط حماس. لكن التحقيق يقول إن بعض الوثائق التي استند إليها تضمنت تحذيرات وتفاصيل لم تظهر كاملة في روايته.
سياسة الهدوء.. من اتخذ القرار؟
يتناول التحقيق سياسة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه غزة، والتي ارتبطت خلال سنوات حكم نتنياهو بمحاولات الحفاظ على التهدئة وتجنب مواجهة عسكرية شاملة.
ووفق الوثائق التي استعرضتها الصحيفة، تضمنت توجيهات سياسية صدرت في أعوام مختلفة السعي إلى إبقاء القطاع جبهة ثانوية، والحفاظ على الاستقرار الأمني، مع استمرار ترتيبات اقتصادية وتسهيلات مرتبطة بالوضع في غزة.
ويشير التحقيق إلى أن وثيقة أرسلها مكتب رئيس الوزراء إلى مراقب الدولة في أبريل 2024 أقرت بأن التوجهات السياسية السابقة تضمنت تأجيل المواجهة والحفاظ على حماس باعتبارها جهة حاكمة يمكن ضبط سلوكها.
وترى الصحيفة أن هذه المعطيات تضعف محاولة الفصل بين القرارات السياسية والتقديرات العسكرية، لكنها لا تعني وحدها أن القيادة الإسرائيلية توقعت الهجوم الذي وقع في أكتوبر أو عرفت توقيته وتفاصيله.
"حائط أريحا".. خطة ظهرت في وثائق سابقة
ومن أبرز محاور التحقيق خطة حماس المعروفة باسم "حائط أريحا"، التي تضمنت تصورًا لهجوم واسع يستهدف مواقع عسكرية ومناطق داخل إسرائيل.
وكان نتنياهو قد قال إنه لم يتلق الخطة بهذا الاسم ولم يُبلّغ بوجود خطة مماثلة لدى حماس. غير أن التحقيق يشير إلى مستند أعدته شعبة الأبحاث العسكرية في أبريل 2018، تضمن سيناريو لهجوم واسع باستخدام آلاف المقاتلين، مع استهداف قواعد عسكرية ومواقع مدنية.
كما أشار التحقيق إلى عرض أمني قُدم في نوفمبر 2022، وتناول سيناريوهات للتسلل والهجوم المفاجئ، وورد فيه اسم "حائط أريحا"، بحسب الصحيفة، وتوضح هذه الوثائق، وفق التحقيق، أن تصورات عن هجوم واسع كانت موجودة داخل المؤسسة الأمنية قبل السابع من أكتوبر بسنوات. لكنها لا تثبت بمفردها أن المسؤولين أدركوا أن حماس ستنفذ الخطة بالفعل أو حددوا موعد الهجوم.
تحذيرات متكررة قبل الانفجار
وسلط التحقيق الضوء على سلسلة من التحذيرات التي صدرت خلال عام 2023 عن جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" ومسؤولين في الاستخبارات العسكرية، بشأن تدهور الوضع الأمني واحتمال استغلال حماس للانقسام الداخلي في إسرائيل.

وبحسب الصحيفة، تضمنت التقييمات مخاوف من تصاعد التوتر في الساحة الفلسطينية، واحتمالات اتساع المواجهة إلى جبهات أخرى، إلى جانب توصيات برفع مستوى الاستعداد واتخاذ خطوات أمنية.
كما أورد التحقيق تحذيرات صدرت في أغسطس 2023 من دخول إسرائيل مرحلة أمنية خطرة، فضلًا عن تقييمات سبقت الهجوم بأيام أشارت إلى وجود مؤشرات غير اعتيادية، لكن الصحيفة تميز بين التحذير من تدهور الوضع وبين التنبؤ الدقيق بهجوم السابع من أكتوبر؛ إذ لم تتضمن جميع التقييمات، وفق ما عرضه التحقيق، توقعًا واضحًا لحجم الهجوم أو توقيته.
هل تبنى نتنياهو تقدير أن حماس مردوعة؟
وتوقف التحقيق عند تصريحات لنتنياهو خلال عام 2023 تحدث فيها عن نجاح إسرائيل في ردع حماس، معتبرًا أن هذه المواقف تشير إلى أنه لم يكن مجرد متلقٍ لتقديرات الأجهزة الأمنية، بل تبنى أيضًا رؤية تقوم على أن الحركة لا ترغب في مواجهة واسعة.
وتقارن الصحيفة هذه التصريحات بمحاضر اجتماعات أمنية تضمنت تحذيرات من تدهور الوضع، وبملاحظات وتوجيهات سياسية ركزت على الحفاظ على الاستقرار في غزة.
كما تناول التحقيق تقييمات استخباراتية استشهد بها نتنياهو لدعم روايته، قائلًا إن بعضها تضمن تحذيرات أو تحفظات لم تظهر كاملة في الاقتباسات التي أوردها.
الساعات الأخيرة قبل هجوم 7 أكتوبر
وفي ما يتعلق بالساعات التي سبقت الهجوم، ذكر التحقيق أن تقارير عن مؤشرات غير اعتيادية بدأت تصل إلى جهات داخل المؤسسة الأمنية خلال الليل، قبل بدء الهجوم عند الساعة 6:29 صباحًا.
وأشار إلى أن الشاباك رفع مستوى التحذير في نظام الإنذارات خلال الساعات الأولى من صباح السابع من أكتوبر، بعد رصد نشاط غير اعتيادي مرتبط باستخدام شرائح اتصال لدى وحدات تابعة لحماس.
ومع ذلك، لا يثبت وصول معلومات إلى بعض مراكز العمليات أن نتنياهو اطلع عليها شخصيًا قبل الهجوم، وفق ما يوضحه التحقيق، لكنه يطرح تساؤلات بشأن كيفية انتقال المعلومات بين الأجهزة والجهات السياسية، وأسباب عدم تحول المؤشرات المتاحة إلى استجابة حالت دون وقوع الهجوم أو قللت من آثاره.
المسؤولية لا تزال موضع تحقيق
لا يعفي التحقيق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من مسؤولية الإخفاق في تقدير نيات حماس وقدراتها، لكنه يعترض على تقديم الأحداث السابقة للهجوم باعتبارها فترة لم تتوافر خلالها تحذيرات أو معلومات عن احتمالات التصعيد.
وتتركز الأسئلة التي يثيرها التقرير حول طبيعة القرارات السياسية المتخذة بشأن غزة، ومدى الاستفادة من التحذيرات الأمنية، وكيفية التعامل مع المعلومات التي وصلت قبل الهجوم، وتوزيع المسؤولية بين القيادة السياسية والأجهزة العسكرية والاستخباراتية.
وبحسب الصحيفة، لم يقدم مكتب رئيس الوزراء ردًا على الانتقادات الواردة في التحقيق حتى موعد إغلاق العدد للنشر، لتظل ملابسات الإخفاق ومسؤولية الأطراف المختلفة من أبرز الملفات التي تنتظر إجابات واضحة.
