جميل السلحوت:
قرأت كتاب " نوافذ العمر- سيرة ذاتية" للأديبة د. روز اليوسف شعبان ابنة قرية طرعان الجليليّة، والّتي تقع بين النّاصرة وطبريّا. وهذه السّيرة الرّوائيّة أدخلتني في جدليّة "السّيرة والرّواية"،" فكلّ سيرة رواية وكلّ رواية بشكل وآخر هي سيرة لبطلها، وإن كانت كتابة السّيرة أصعب من كتابة الرّواية، لأنّ السّيرة تعتمد على معلومات حقيقيّة، بينما الرّواية بما في ذلك الرّواية الواقعيّة تلج كثيرا في عالم الخيال. يجدر التّذكير هنا بأنّ أدب السّيرة معروف لدى العرب منذ مئات السّنين، ومن أشهر النّساء الفلسطينيّات اللواتي كتبن سيرتهنّ الذّاتيّة في العصر الحديث هي الشّاعرة الرّاحلة فدوى طوقان. ود. روز اليوسف شعبان في سيرتها الشّخصيّة الرّوائيّة والصّادرة مؤخّرا عن منشورات" دار الهدى-عبد زحالقة"، وتقع في 220 صفحة من الحجم الكبير، والّتي نحن بصددها كتبتها بلغة أدبية جميلة وبأسلوب شائق بحيث تسيطر على قارئها، وتلحّ عليه؛ كي يطالعها في جلسة واحدة. تتحدّث الأديبة شعبان عن حياتها الشّخصيّة ومهّدت لذلك بالكتابة عن جذورها العائليّة، فجدّها لأمّها شهيد في معركة الشّجرة عام 1948م، وأمّها انتقلت من الصّفّ الإعداديّ الثّامن؛ لتكمل تعليمها في دار المعلّمين في يافا.
ووالدها سليل عائلة معروفة لها نصيب كبير من الوجاهة والمكانة الاجتماعيّة الّلائقة. وكان الوالد ميسور الحال كريما معطاء مع أسرته ومع الآخرين، وشاء حظّ روز أن تكون بكر والديها؛ لتحظى بمكانة مميّزة في قلب والديها خصوصا الأب "يوسف صبّاح"، والأمّ الّتي كانت معجبة بروز اليوسف والدة الأديب المصري إحسان عبد القدّوس، ورئيسة تحرير المجلّة الّتي تحمل اسمها، لذلك فقد سمّتها "روز" وبما أنّ اسم الوالد هو "يوسف" فصار اسمها "روز اليوسف"! وهذه الـ "رّوز" حباها الله جمالا وذكاء لافتين، ممّا جعلها محبوبة من والديها ومن عائلتها الممتدّة ومن كلّ من عرفوها. و"روز" هذه الّتي تميّزت على بنات وأبناء جيلها بنباهتها وذكائها تميّزت أيضا في دراستها عندما التحقت بالمدرسة، فكانت من أوائل بنات صفّها، وبذا كانت موضع فخر لوالدها الّذي تابعها في مدرستها، وشجّعها باستمرار، ووفّر لها كلّ احتياجاتها؛ لتواصل طريقها بنجاح. وفي المدرسة بدأت موهبتها الأدبيّة بالظّهور، فكتبت الشّعر في عمر مبكر، وشجّعتها معلّماتها. وهذه الموهبة الأدبيّة هي الّتي دفعتها لاحقا لدراسة الّلغة العربيّة في الجامعة على غير رغبة أبيها الّذي كان يحلم أن تدرس ابنته الطّبّ، ومع ذلك وافقها على رغبتها.
وشجّعها في مختلف مراحل حياتها، وكان فخورا بها، ويصطحبها معه عندما يشارك في أفراح الأقارب ومناسبات القريّة، كما سمح لها بالجلوس في ديوانه وإبداء رأيها في حلّ الخلافات العائليّة، ممّا خلق منها شخصيّة قويّة وقياديّة. الأب الواعي: تتحدّث " روز" في مذكّراتها بمصداقية عالية وعاطفة صادقة عن المرحوم والدها، الّذي أعطاها رعاية خاصّة، وكان متفهّما لرغبات وهوايات ابنته، لذا فقد احترم انحياز ابنته روز لقائمة الجبهة الدّيموقراطيّة للسّلام والمساواة في انتخابات المجلس المحلّي للقرية، ولم يعترض عليها عندما شاركت في مظاهرة تخالف رأيه السّياسيّ. أثناء دراسة "روز" في الجامعة وفي معرض للكتاب في قريتها "طرعان" تعرّفت على الشّابّ عبد المجيد محمود شعبان، وهو مهجّر من قرية حطّين المدمّرة، وخريج هندسة بناء من جامعة خاركوف في الاتّحاد السّوفييتي، وكان يشغل سكرتير الحزب الشّيوعيّ" راكح" في البلدة، وتبادلا الإعجاب وتزوّجا بمهر مقدّمة شاقل واحد، ومؤخّره شاقل واحد أيضا، وهذا شاهد على وعي الأب واحترامه لاختيار ابنته. روز والتّراث الشّعبيّ و"روز" الطّفلة والفتاة والشّابّة المدلّلة من أبيها كانت تشارك أبناء عائلتها وقريتها المناسبات والمواسم، فكانت تشارك في موسم قطف الزّيتون، وفي موسم الحصاد ودراسة الحبوب على البيادر بواسطة لوح حديديّ تجرّه الأبقار أو الحمير أو البغال. كما كانت تشارك في الأعراس من خلال الدّبكة الشّعبيّة والأغاني والأهازيج الشّعبيّة في هكذا مناسبات. وقد طعّمت سيرتها بكتابة بعض الأغاني و"المهاهاة" الّتي سمعتها في هذه المناسبات.
كما أنّها تحدّثت عن عدد من المأكولات الشّعبيّة الفلسطينيّة وعن خبز الطّابون. وممّا يجدر ذكره أنّ الأديبة الكاتبة لم تقتصر سيرتها على حياتها الشّخصيّة والعائليّة، فالسّيرة تعجّ بالحياة الاجتماعيّة والعادات والتّقاليد الّتي كانت سائدة، ولا تزال، مع أنّ بعضها اندثر بسبب التّعليم وتطوّر الحياة. مدرّسة في أمّ الرّشراش: بعد أن حصلت "روز" على الشّهادة الجامعيّة الأولى "البكالوريوس" من جامعة حيفا، عملت مدرّسة للّغة العربيّة في مدرسة يهوديّة في إيلات" أمّ الرّشراش"، وواجهت مصاعب كثيرة أهمّها أنّ الطلبة اليهود في البداية لم يتقبّلوا تعلّم الّلغة العربيّة، ولم يتقبّلوا أن تكون معلّمتهم عربيّة، لكنّها بقوّة إرادتها وشخصيّتها استطاعت أن تتغلّب على هذه المشكلة، خصوصا عندما انتقلت في عامها الثّاني إلى مدرسة أخرى في المدينة ذاتها. لكنّها لم تنج من سياسة التّمييز العنصريّة، فبعد عملها لمدّة سنتين أخبرها مدير المدرسة عن قطع المخصّصات الماليّة والسّكن المجّاني الّتي يتقاضاها المدرّسون كون إيلات منطقة تطوير. وحجّة المسؤولين أنّ هذه العلاوة مخصّصة لمن خدموا في الجيش، أي أنّها تستثني العرب دون الإشارة إلى ذلك، لكنّ البلديّة لم توافق على هذه السّياسة ومنحت روز شقّة سكنيّة؛ لتسكن فيها. وفي إيلات خلّفت "روز" بكرها هشام". وفي العام 1991م أنجبت روز ابنتها روان، وبعد خمس سنوات أخذت إجازة دون راتب لمدّة عام من العمل في إيلات، وأثناء هذه الإجازة طلبت الانتقال إلى لواء الشّمال، وتمّت الموافقة على طلبها، وعادت لتعمل في مدرسة قريتها طرعان، كما عملت مرشدة لوائيّة لطرق التّعليم البديل في لواء الشّمال ومركّزة الخطّة الخماسيّة.
المديرة روز: لم يتوقّف طموح "روز" عند نقطة معيّنة فقد تقدّمت لمناقصة لشغل إدارة مدرسة الرّينة التي تبعد تسعة كيلومتر عن بلدتها طرعان، وهي مدرسة صعبة وتعاني من مشاكل كثيرة في تلك السّنوات، وقد استطاعت بقدرتها وصبرها وخبراتها الإداريّة أن تتخطّى هذه المشاكل وهذه الصّعوبات، حتّى أنّها أثارت إعجاب أهالي البلدة ومسؤولي المعارف. وبعد بضع سنوات عادت لتشغل إدارة مدرسة بلدتها طرعان، حتّى إحالتها إلى التّقاعد المبكر في بداية العام الدّراسيّ 2023-2024؛ لتتفرّغ لاستكمال مشروعها الثّقافيّ في كتابة الشّعر وقصص الأطفال والرّوايات؛ ولتتفرّغ لبيتها ولأسرتها. دكتورة الآداب: و"روز" الطّموحة والمثابرة واصلت تعليمها الجامعيّ فحصلت على الشّهادة الجامعيّة الثّانية" الماجستير"، ولاحقا وفي العام 2018م حصلت على شهادة الأستاذيّة "الدّكتوراه" في الّلغة العربيّة، وقد افتقدت وقتذاك المرحوم والدها الّذي توفّي في العام 2002م، افتقدته لأنّه كان يحلم أن تحصل ابنته على أعلى الشّهادات.
روز الأديبة: تحبّ د. روز لغتها العربيّة لدرجة العشق، وهي صاحبة موهبة أدبيّة، فقد كتبت أولى قصائدها وهي طفلة، ولا تنسى فضائل والدتها عليها، حيث شجّعتها على المطالعة وتثقيف نفسها، وها هي تواصل إبداعاتها في كتابة الشّعر والقصص والرّوايات، ومع أنّها كانت مدرّسة ومرشدة ومديرة ناجحة ومخلصة لمهنتها وحريصة على تلاميذها، إلّا أنّها تجد نفسها في موهبتها الأدبيّة. الأديبة القدوة: هذه السّيرة الشّائقة نموذج للمرأة المكافحة الّتي بنت نفسها بنفسها وبدعم من والديها في بداياتها، ولاحقا بدعم من زوجها، و-طبعا دون إغفال موهبتها وقدراتها الشّخصيّة- والأديبة د. روز اليوسف شعبان تشكلّ قدوة تقتدى لأبناء وبنات الأجيال الحاليّة والّلاحقة، فقد واظبت على مواصلة دراستها، والتحقت بالجامعة؛ لتدرس الموضوع الّذي أحبّته واختارته وهو" الّلغة العربيّة"، رغم أنّ والدها ألحّ عليها لتدرس الطّبّ، وتزوّجت من الشّابّ الّذي أحبّته وأحبّها، وعملت في بداياتها معلّمة في مدرسة بعيدة عن مكان سكنها، وانتقلت هي وزوجها معا للسّكن في مكان عملها البعيد، وأنجبت بكرها هشام وابنتها روان هناك، ثمّ انتقلت للعمل كمديرة في مدرسة الرّينة وأثبتت جدارتها بحنكتها وحسن إدارتها حيث تغلّبت على المشاكل الّتي يعانيها طلّابها، والنّواقص الّتي كانت تعاني منها المدرسة، وعادت بعدها لإدارة مدرسة بلدتها طرعان. ورغم انشغالاتها كمعلّمة ومديرة مدرسة وزوجة وأمّ إلّا أنّها لم تتنازل عن طموحها في استكمال دراستها، فدرست المرحلة الجامعيّة الثّانية" الماجستير"، وواصلت الدّراسة حتّى حصلت على أعلى الشّهادات في مجال تخصّصها، وهي شهادة الأستاذيّة" الدّكتوراه". وفي مراحل عمرها المختلفة لم تتخلّ عن موهبتها الكتابيّة، فقد كتبت الشّعر في مراحل عمرها المختلفة منذ الطّفولة ولا تزال تكتب، وصدرت لها دواوين شعريّة، كما كتبت القصّة للكبار وللصّغار، وكتبت الرّواية، والرّسائل، كما كتبت الأبحاث ومنها كتابها عن" فنّ الرّواية" عند الأديب الكبير محمود شقير، وكتبت ولا تزال تكتب المقالة والأبحاث النّقديّة. وهي ناشطة ثقافيّة تشارك في محاضرات ولقاءات وندوات أدبيّة، ولا تزال في قمّة عطائها ونشاطها. ويجدر التّنويه أنّ هذه العجالة لا تغني بأيّ حال من الأحوال عن قراءة هذه السّيرة كاملة.
16-10-2026
