أجور دون الحد في سوقٍ بأسعار أوروبا.. من يحاسب أرباب العمل بغزة؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة/ البوابة 24- نور محمد

قبل أيام قليلة من موعد زفافه المقرر نهاية الشهر الجاري، وجد الشاب مؤيد خالد (24 عامًا) نفسه أمام خسارة لم تكن ضمن حساباته.. فقدان عمله الذي كان يعوّل عليه لتأسيس أسرته.

لسنوات، عمل مؤيد نادلًا في أحد المطاعم المشهورة بمدينة غزة، مقابل نحو 40 شيكلًا يوميًا، لكن أجره لم يكن منتظمًا، كما لم يكن صاحب المطعم يلتزم بتشغيله ودفع مستحقاته بصورة يومية منتظمة، وفق روايته، ثم جاء القرار الذي بدّد ما تبقى من استقراره، إذ فصله صاحب المطعم، إلى جانب ثلاثة من زملائه، من دون إنذار مسبق، مبررًا ذلك برغبته في استبدال طاقم العمل الذي أمضى سنوات في المطعم.

لم تكن خسارة مؤيد لوظيفته مجرد انقطاع عن مصدر دخل، بل جاءت في لحظة كان يستعد فيها لبناء حياة جديدة، وسط سوق تتقلص فيه فرص العمل وترتفع فيه أسعار الاحتياجات الأساسية.

يقول بمرارة: "لماذا هذه الممارسات بحقنا؟ فوق ظروف الحرب القاسية والنزوح الذي سلب منا كل ما لدينا، وتوقفنا عن العمل أكثر من عامين متواصلين، نتفاجأ بهذا الشكل من الفصل التعسفي؟".

تكشف حكاية مؤيد جانبًا من واقع العمال في قطاع غزة، حيث لم يعد التحدي محصورًا في العثور على فرصة عمل، بل امتد إلى الاحتفاظ بها، وضمان انتظام الأجر، والقدرة على تحويله إلى احتياجات أساسية في سوق تتراجع فيه القدرة الشرائية.

وبين غلاء الأسعار وتدني الأجور، يبرز سؤال يتجاوز معاناة الأفراد: ما مدى التزام أصحاب العمل بالحد الأدنى للأجور الذي يقرره القانون؟ وما الأدوات التي تملكها الجهات الحكومية لمراقبة المخالفات وحماية العمال، خصوصًا حين تجعل البطالةُ المطالبةَ بالحقوق مخاطرةً بمصدر الرزق؟

على نحو مشابه، يعمل عبد الحليم حاتم في أحد المولات التجارية بمدينة غزة، مقابل أجر يومي لا يتجاوز 30 شيكلًا، رغم قضائه قرابة عشر ساعات في العمل.

ويعيل الشاب أسرة مكونة من خمسة أفراد، لكن ما يتقاضاه لا يكفي لتغطية الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية، في مفارقة تختصر المسافة الشاسعة بين ساعات العمل ومتطلبات المعيشة.

ويقول حاتم لـ"البوابة 24": "أضطر إلى الاستمرار في العمل بسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية وتراجع فرص التشغيل، فيما يستغل بعض أرباب العمل حاجة الشباب والعمال إلى الوظائف، ويتحكمون في الأجور اليومية، في ظل اختلال ميزان القوة بين الطرفين".

ولا يقتصر مطلب عبد الحليم على زيادة أجره، بل يأمل أن تتدخل الجهات المعنية لمتابعة هذه الممارسات وإيجاد حلول لها، خصوصًا مع اتساع الفجوة بين الدخول وأسعار السلع، بحيث بات العمل لساعات طويلة لا يضمن للعامل القدرة على إعالة أسرته.

أما شادي أبو عطا، فقد دفعته الظروف الاقتصادية خلال الحرب إلى تغيير مسار عمله. فبعدما كان يعمل في إحدى مؤسسات القطاع الخاص، اضطر إلى إقامة بسطة صغيرة لبيع بعض الاحتياجات، إثر عدم تقاضيه راتبه من المؤسسة التي كان يعمل لديها، حسب ما يقول لـ"البوابة 24".

ومع تراجع حركة البيع والشراء، انخفض دخله اليومي إلى نحو 20 شيكلًا، وهو مبلغ لا يكاد يلبي احتياجات أسرته المكونة من ستة أفراد. وبين ضعف المبيعات وارتفاع أسعار السلع، وجد نفسه عالقًا بين دخل محدود واحتياجات لا يمكن تأجيلها، بعدما انتقل من عمل لم يتقاضَ راتبه عنه إلى نشاط تجاري لا يوفر له دخلًا مستقرًا.

بين النص القانوني والتطبيق

لا تبدو الفجوة بين ما يتقاضاه هؤلاء العمال وما يحتاجون إليه للعيش مجرد تفاوت في الدخول، إذ تطرح أيضًا سؤالًا بشأن مدى الالتزام بالحد الأدنى للأجور الذي ينص عليه القانون الفلسطيني.

فوفق قرار مجلس الوزراء رقم (4) لسنة 2021 بشأن الحد الأدنى للأجور، حُدد الحد الأدنى للأجر الشهري بـ1880 شيكلًا، وأجر العاملين بنظام المياومة والعمال الموسميين بـ85 شيكلًا يوميًا، فيما بلغ الحد الأدنى لأجر ساعة العمل 10.5 شيكلاً.

وبالمقارنة مع هذه الحدود، تقل الأجور اليومية التي ذكرها العمال الثلاثة، والبالغة 40 و30 و20 شيكلًا، عن الحد الأدنى المقرر للعامل بنظام المياومة، غير أن تحديد المخالفة القانونية في كل حالة يتطلب التحقق من طبيعة علاقة العمل، ونظام احتساب الأجر، وساعات العمل الفعلية، ومدى انطباق الأحكام ذات الصلة على الحالة المعنية.

كذلك، ينص قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000، في المادة (6)، على أن الحقوق التي يقررها القانون تمثل الحد الأدنى لحقوق العمال، ولا يجوز التنازل عنها، مع تطبيق الشرط الأفضل للعامل إن وجد.

لكن وجود هذه النصوص لا يحسم مسألة إنفاذها على أرض الواقع، فكيف يمكن ضمان حصول العامل على أجره القانوني في سوق تتراجع فيه فرص العمل، ويخشى فيه كثيرون فقدان وظائفهم إذا طالبوا بحقوقهم؟ وما آليات التفتيش والمتابعة المتاحة لرصد المنشآت التي قد تدفع أجورًا دون الحدود المقررة، والتحقق من المخالفات واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها؟

الشكوى مدخل المعالجة

في مواجهة هذه الأسئلة، تقول منال الحتة، مسؤولة العلاقات العامة والإعلام في وزارة العمل الفلسطينية في قطاع غزة: "إن الوزارة تتعامل مع النزاعات العمالية عندما يتقدم العامل بشكوى مدعومة بالأدلة".

وتوضح الحتة لـ"البوابة 24": "نستدعي صاحب العمل ونتواصل معه لمحاولة معالجة المشكلة، لكننا لا نبادر إلى إجراء استقصاء بشأن هذه الحالات من تلقاء أنفسنا".

ويضع هذا التوضيح آلية التعامل مع النزاعات العمالية أمام سؤال المساءلة: إلى أي مدى يكفي انتظار شكوى العامل لرصد التجاوزات، في سوق عمل تتسم فيه العلاقة بين العامل وصاحب العمل باختلال واضح في موازين القوة؟ فالعامل الذي يخشى خسارة وظيفته، أو يحتاج إلى أي دخل متاح لإعالة أسرته، قد يجد نفسه مضطرًا إلى الصمت عن أجر متدنٍ أو ظروف عمل مجحفة، بدلًا من المجازفة بمصدر رزقه.

ولا تتوقف المساءلة عند استقبال الشكاوى وتسوية النزاعات، بل تمتد إلى أدوات التفتيش والمتابعة التي يمكن تفعيلها، وحدود قدرة الوزارة على رصد المخالفات والتحقق منها، والإجراءات التي تتخذها بحق أصحاب العمل الذين يثبت عدم التزامهم بالقانون.

وهي أسئلة تزداد إلحاحًا في ظل اتساع الفجوة بين الأجور وكلفة المعيشة، والحاجة إلى معرفة ما إذا كانت آليات الرقابة القائمة قادرة على الوصول إلى العمال الذين لا يتقدمون بشكاوى.

في المقابل، يربط صاحب أحد المولات التجارية في غزة، رافضًا الكشف عن اسمه، انخفاض الأجور بارتفاع المصاريف التشغيلية، بما يشمل أجور العاملين وكلفة السولار اللازم لتشغيل المولد الكهربائي الخاص بالمول.

ويعكس هذا التبرير جانبًا من الضغوط التي تواجه المنشآت التجارية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، لكنه لا يقدم، بمفرده، إجابة عن مدى الالتزام بالحد الأدنى القانوني للأجور، ولا يحسم مشروعية دفع أجور تقل عن الحدود المقررة.

فارتفاع التكاليف التشغيلية يظل عاملًا يحتاج إلى النظر في سياقه، لكنه لا يلغي ضرورة التحقق من الالتزامات القانونية المترتبة على علاقة العمل.

أزمة الأجور في سوق مختل

ولا يمكن فصل تدني الأجور عن واقع السوق في غزة، حيث تتداخل ندرة السلع واضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف التوريد مع فقدان مصادر الدخل واستنزاف مدخرات الأسر وشح السيولة النقدية.

وفي ظل هذه الظروف، لا تتعلق الأزمة بما يدخل جيوب العمال فحسب، بل بما يمكن أن يشتروه فعليًا من دخلهم المحدود.

ويؤكد المختص في الشأن الاقتصادي، الأكاديمي الدكتور محمد بربخ، أن اتساع الفجوة بين أسعار السلع ومستويات دخول المواطنين في قطاع غزة يرتبط بمجموعة من الاختلالات الاقتصادية المتزامنة، أبرزها نقص المعروض السلعي واضطراب الإمدادات، وتراجع الدخول بفعل البطالة وفقدان مصادر الرزق، وانخفاض القدرة الشرائية للأسر نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة تفوق قدرتها على التكيف.

ويوضح بربخ لـ"البوابة 24": "تتطلب متابعة هذه الظاهرة رصد أسعار السلع الأساسية ومقارنتها بمستويات دخول المواطنين، إلى جانب متابعة حجم المعروض والمخزون السلعي، وتكاليف الاستيراد والنقل والتخزين، ومراقبة حركة الأسواق ومدى التزام التجار بالأسعار المعلنة رسميًا".

ويشير إلى أن الأسعار تتحرك وفق تكاليف الإمداد وندرة السلع واضطرابات السوق، في حين تتحرك الأجور والدخول بوتيرة أبطأ، أو تتراجع نتيجة البطالة وفقدان مصادر الرزق، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين كلفة المعيشة والقدرة الفعلية للمواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

ويعزو بربخ هذه الاختلالات إلى عدة عوامل، في مقدمتها سياسات الاحتلال الإسرائيلي والقيود المفروضة على المعابر وتعطيل النشاط الاقتصادي وتدمير البنية التحتية، إلى جانب ممارسات بعض التجار والموردين، بما يشمل الاحتكار والاستغلال والتلاعب بالأسعار، فضلًا عن اتباع سياسة التقطير في توريد البضائع.

ويلفت إلى أن ضعف الإجراءات الرقابية والقانونية لدى الجهات الحكومية، وعدم مواءمة بعض اللوائح مع الظروف الاقتصادية الراهنة، إلى جانب قصور السياسات الاقتصادية الهادفة إلى حماية دخول الأفراد والمستهلكين، تسهم في تفاقم الأزمة، رغم الصعوبات التي تواجه عمل الجهات المختصة.

وفي سياق الحلول، يدعو بربخ إلى تفعيل دور حماية المستهلك من خلال تعزيز الرقابة على الأسواق، ومكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وإصدار نشرات دورية تتضمن قوائم الأسعار، بما يتيح للمواطنين متابعة التغيرات السعرية ومقارنة الأسعار بين السلع والأسواق.

كما يشدد على أهمية التنسيق مع الجهات المعنية بالمعابر لتسهيل تدفق السلع والبضائع، ومراجعة آليات التسعير مع الموردين، والحد من تكاليف التنسيق التي تنعكس على أسعار السلع وتزيد الأعباء على المستهلكين.

وعلى صعيد سوق العمل، يطالب بمراجعة مستويات الأجور بصورة دورية بما يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتطوير آليات تحديد الحد الأدنى للأجور، وضمان انتظام دفع الرواتب ضمن المدد القانونية، إلى جانب دعم العمال وأصحاب المهن بالتنسيق مع الجهات المانحة والداعمة.

ويؤكد بربخ ضرورة توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتعزيز برامجها، مع إعطاء الأولوية للأسر الأكثر هشاشة، بما يسهم في الحد من التداعيات المعيشية للأزمة الاقتصادية وتحسين قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

لكن هذه الحلول، على أهميتها، تعيد القضية إلى نقطة لا يمكن تجاوزها: فحماية العامل لا تتحقق بمجرد إقرار حد أدنى للأجور، ولا بمجرد وجود جهة تستقبل الشكاوى، بل تتطلب متابعة الالتزام بالقانون، والتحقق من الانتهاكات، ومساءلة المسؤولين عنها، إلى جانب معالجة الاختلالات التي تجعل الأجر عاجزًا عن مجاراة كلفة المعيشة.

فإذا كان العمل لا يضمن الحد الأدنى من المعيشة، والأجور التي يقررها القانون لا تجد طريقها إلى التطبيق، فمن يحمي العامل من أن يتحول سعيه إلى الرزق إلى وجه آخر من وجوه العجز عن الاستمرار والبقاء؟
 

البوابة 24