رئيس الموساد السابق يزيح الستار عن أسرار أخطر عمليتين ضد إيران وحزب الله.. ماذا جرى خلف الكواليس؟

دافيد برنياع
دافيد برنياع

كشف رئيس الموساد الإسرائيلي السابق دافيد برنياع تفاصيل جديدة عن العمليات الاستخباراتية التي سبقت الحرب الإسرائيلية على إيران في يونيو 2025، والعملية التي استهدفت أجهزة البيجر التابعة لعناصر حزب الله في لبنان، متحدثا عن طبيعة التحضيرات السرية، وآليات حماية العملاء، والقرارات التي اتخذتها القيادة الإسرائيلية في اللحظات الحاسمة.

وجاءت تصريحات برنياع خلال مقابلة أُجريت في تل أبيب، الخميس الماضي، استعرض خلالها جوانب من العمليات التي شارك جهاز الموساد في تنفيذها، بدءا من التحركات الاستخباراتية داخل إيران وصولا إلى تفاصيل الساعات التي سبقت تفجير أجهزة الاتصال التي كان يستخدمها عناصر حزب الله.

فيديو الموساد قبل الحرب يحمل رسالة استخباراتية

تحدث برنياع عن مقطع فيديو رسمي نشره الموساد صباح بدء الحرب الإسرائيلية على إيران، التي أطلقت عليها إسرائيل اسم الأسد الصاعد في يونيو 2025، وظهر فيه عملاء للجهاز داخل الأراضي الإيرانية.

وأوضح أن نشر المقطع لم يكن مجرد إعلان عن قدرات الموساد، بل ارتبط، بحسب روايته، بمحاولة حماية العملاء الموجودين داخل إيران، من خلال خلق حالة من الارتباك لدى الأجهزة الأمنية الإيرانية بشأن هويات الأشخاص الذين ينبغي ملاحقتهم.

وأشار إلى أن السلطات الإيرانية اعتقلت نحو 21 ألف شخص في اليوم الثاني للحرب، معتبرا أن هذا العدد الكبير من المعتقلين جعل من الصعب تحديد هوية العملاء الحقيقيين وسط أعداد ضخمة من الأشخاص الذين خضعوا للتحقيق.

وأضاف أن بعض المعتقلين كانوا يروون قصصا متشابهة عن وجودهم في الشوارع أو تنقلهم بالسيارات قبل توقيفهم، وهو ما ساهم، وفق تقديره، في تعقيد عملية التمييز بين المشتبه بهم.

برنياع يتحدث عن مصير عملاء الموساد داخل طهران

زعم رئيس الموساد السابق أن عددا من الأشخاص الذين اعتقلتهم السلطات الإيرانية أو أعدمتهم لم يكونوا معروفين للجهاز، مشيرا إلى أن غالبية عملاء الموساد لم تنكشف هوياتهم، بحسب تعبيره.

وقال إن 99.9 في المئة من عملاء الجهاز لم يُكشفوا، مضيفا أن بعضهم لا يزال يعيش داخل إيران، بينما يواصل حياته بعيدا عن الأنظار، وفقا لما أورده في المقابلة.

وتطرق برنياع إلى طبيعة العلاقة التي تربطه بالعملاء الذين يشاركون في العمليات السرية، موضحا أنه كان يلتقي بهم ويتحدث معهم ويحرص على بناء الثقة المتبادلة، قبل الموافقة على تكليفهم بمهام تتطلب الحفاظ على السرية لفترات طويلة.

وأكد أنه صادق شخصيا على كل عميل شارك في العمليات التي تحدث عنها، مشيرا إلى أن نجاح مثل هذه المهام يعتمد على قدرة المشاركين على الاحتفاظ بالمعلومات وعدم تسريب تفاصيلها قبل التنفيذ.

خطة سرية سبقت الهجوم على إيران بأسابيع

كشف برنياع أن التحضيرات للعملية الإسرائيلية ضد إيران بدأت قبل تنفيذ الهجمات بوقت طويل، موضحا أن عشرات العملاء كانوا يعلمون مسبقا أنهم سيشاركون في عملية عسكرية، بينما لم تكن الصورة الكاملة للعملية معروفة لجميع المشاركين في الهجوم.

وأشار إلى أن الطيارين الإسرائيليين أنفسهم لم يكونوا، بحسب روايته، على علم مسبق بأنهم سيشاركون في هجوم على إيران عندما استُدعوا إلى أسرابهم، في حين كانت مجموعة من العملاء قد بدأت تنفيذ المهام التحضيرية قبل أسابيع من انطلاق العمليات.

وشدد على أن دائرة المعرفة بالتفاصيل ظلت محدودة للغاية، وأن الحفاظ على السرية كان من الشروط الأساسية لضمان تنفيذ الخطة، في ظل حساسية التحركات الاستخباراتية داخل الأراضي الإيرانية.

وتعكس هذه التصريحات، بحسب روايته، حجم التنسيق بين العمليات الاستخباراتية والتحركات العسكرية، مع إبقاء المعلومات المتعلقة بالتوقيت والأهداف محصورة في نطاق ضيق حتى اللحظات الأخيرة.

ايران.jpg


 

ماذا حدث داخل غرفة القيادة قبل تفجير البيجرات

انتقل برنياع إلى الحديث عن عملية تفجير أجهزة البيجر التي استهدفت عناصر حزب الله في لبنان، مستعيدا اللحظات التي سبقت بدء العملية داخل غرفة قيادة العمليات في مقر الجيش الإسرائيلي بتل أبيب.

وقال إنه كان موجودا في الغرفة إلى جانب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن آنذاك يوآف غالانت، ورئيس الأركان السابق هيرتسي هليفي، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، عندما كانت الاستعدادات جارية لبدء التفجيرات عند الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر.

وأوضح أن نتنياهو سأله عما إذا كانت العملية قد تفشل، فأجابه بأنه لا يتوقع حدوث ذلك، مؤكدا أن الاستعدادات تسير وفق الخطة الموضوعة، وأضاف أن برنياع توقع ظهور المؤشرات الأولى للعملية خلال نصف ساعة من بدء التنفيذ، على أن تبدأ المعلومات بالوصول تباعا عبر المصادر الاستخباراتية والنشرات الإخبارية.

وكشف أن العملية سبقتها مئات التجارب التي أُجريت باستخدام دمى، بهدف اختبار آليات التنفيذ والاستعداد لاحتمالات مختلفة قبل الانتقال إلى المرحلة الفعلية.

رئيس الموساد السابق يتحدث عن آثار تفجيرات لبنان

وفي معرض حديثه عن نتائج تفجير أجهزة البيجر، اعتبر برنياع أن عدم مقتل جميع الأشخاص الذين أصابتهم الانفجارات أدى إلى ظهور آثار جسدية دائمة لدى عدد من المستهدفين.

واستشهد بما قال إنه وجود نحو 4500 شخص في ضاحية بيروت الجنوبية فقدوا أعضاء من أجسادهم نتيجة العملية، معتبرا أن هذه الإصابات تمثل، من وجهة نظره، تذكيرا بالعواقب التي قد يتعرض لها عناصر حزب الله المشاركون في استهداف الإسرائيليين.

وتسلط هذه التصريحات الضوء على الطريقة التي ينظر بها المسؤولون الإسرائيليون السابقون إلى نتائج العمليات الاستخباراتية، في وقت أثارت فيه تفجيرات أجهزة الاتصال في لبنان تداعيات إنسانية وأمنية واسعة.

هجمات إيران عام 2024 كشفت حسابات إسرائيل الأمنية

وتطرق برنياع إلى الهجمات الإيرانية التي نُفذت بالصواريخ والطائرات المسيرة خلال عام 2024، معترفا بأن إسرائيل كانت تشعر بالردع قبل تلك الهجمات، بسبب عدم وضوح مدى قدرة الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى والدقيقة على إلحاق أضرار كبيرة داخل إسرائيل.

وأشار إلى أن التساؤلات كانت قائمة بشأن قدرة منظومات الدفاع الإسرائيلية والأميركية على التعامل مع هجوم واسع يجمع بين الصواريخ والطائرات المسيرة، ومدى قدرتها على اعتراضها جميعا.

وتكشف هذه الإشارة عن جانب من المخاوف التي أحاطت بالتقديرات الأمنية الإسرائيلية قبل المواجهة المباشرة مع إيران، خصوصا في ظل تطور قدراتها الصاروخية واتساع نطاق التهديدات التي تواجهها إسرائيل.

وتقدم رواية برنياع صورة عن بعض الجوانب السرية للعمليات الإسرائيلية ضد إيران وحزب الله، لكنها تظل شهادة مسؤول استخباراتي سابق عن أحداث شارك جهازه في تنفيذها، ولا تمثل وحدها تقييما مستقلا شاملا لجميع تفاصيل تلك العمليات ونتائجها.

وكالات