كشفت رسالة تاريخية نادرة من الرئيس الإسرائيلي الأسبق يتسحاق بن تسفي عن المبررات التي استندت إليها القيادة الإسرائيلية لتفسير الهجوم العسكري على مصر وقطاع غزة عام 1956، في وثيقة تعكس جانبًا من التفكير السياسي والأمني الإسرائيلي خلال حرب السويس، وتكشف كيف جرى تقديم السيطرة على الأراضي المصرية والفلسطينية باعتبارها ضرورة لحماية إسرائيل.
وتعيد الوثيقة تسليط الضوء على رواية إسرائيلية تاريخية بشأن دوافع الحرب، في وقت لا تزال فيه مفاهيم الضربات الاستباقية والسيطرة الأمنية على غزة حاضرة في النقاشات الإسرائيلية المعاصرة.
رسالة قديمة تكشف مبررات الحرب
بحسب ما نشرته منصة ماكور راشون الإسرائيلية، فإن الرسالة كتبها بن تسفي في أواخر عام 1956 ردًا على انتقادات وجهتها إليه تامار شوي، أخت زوجته، بشأن الحرب التي شنتها إسرائيل على مصر وقطاع غزة.
وجاءت الرسالة بالتزامن مع عملية قادش، التي بدأت في 29 أكتوبر 1956، وشارك فيها الجيش الإسرائيلي في هجوم على شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، ضمن أزمة السويس التي شهدت أيضًا تدخل بريطانيا وفرنسا ضد مصر.
ووفقًا للمادة المنشورة، رفض بن تسفي اعتبار العملية مجرد تحرك لخدمة المصالح البريطانية والفرنسية، مؤكدًا أن إسرائيل اتخذت قرار الحرب، بحسب روايته، انطلاقًا من حساباتها الخاصة وما اعتبرته تهديدات لأمنها.
عبد الناصر في قلب الرواية الإسرائيلية
استند الرئيس الإسرائيلي الأسبق في دفاعه عن الحرب إلى اتهامات وجهها إلى نظام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، إذ تحدث عن هجمات مسلحة قال إنها استهدفت إسرائيل على مدى سنوات، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم نساء وأطفال.
كما أشار في رسالته إلى أن إسرائيل، وفق روايته، لم تحصل على المساعدة التي كانت تتوقعها من الأمم المتحدة، رغم محاولاتها إثارة ملف الهجمات أمام المجتمع الدولي، وزعم بن تسفي أن تصريحات عبد الناصر بشأن إسرائيل، إلى جانب ما وصفه بالاستعدادات العسكرية المصرية في سيناء، دفعت القيادة الإسرائيلية إلى الاعتقاد بأن عليها المبادرة بالهجوم بدلًا من انتظار تعرضها لضربة عسكرية.
تبرير الضربة الاستباقية والخوف من الخسائر
في سياق دفاعه عن العملية، طرح بن تسفي فكرة أن التحرك العسكري المبكر حال دون وقوع خسائر أكبر في إسرائيل، معربًا عن اعتقاده بأن تأجيل الهجوم لأسابيع كان يمكن أن يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
لكن هذه المبررات تمثل رواية الرئيس الإسرائيلي الأسبق عن دوافع الحرب، ولا تعني بحد ذاتها إثبات أن الهجوم كان ضرورة لا بديل عنها. فقد جاءت العملية في سياق إقليمي ودولي معقد، ارتبط بأزمة قناة السويس والتنسيق العسكري بين إسرائيل وبريطانيا وفرنسا.

غزة وسيناء في حسابات القيادة الإسرائيلية
لم تقتصر الرسائل المنقولة على الدفاع عن الهجوم على مصر، بل كشفت أيضًا عن موقف بن تسفي من مستقبل قطاع غزة، الذي كان خاضعًا للإدارة المصرية آنذاك.
وبحسب المنصة الإسرائيلية، عبّر بن تسفي في رسالة أخرى إلى سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة أبا إيبان عن رغبته في الاحتفاظ بالقطاع، مستندًا إلى اعتبارات أمنية مرتبطة بالفدائيين الفلسطينيين، رغم ما أقر به من أعباء ناجمة عن وجود اللاجئين الفلسطينيين.
وتكشف هذه المواقف عن أهمية غزة في التصورات الأمنية الإسرائيلية خلال تلك المرحلة، إذ لم ينظر إليها بن تسفي باعتبارها ساحة مواجهة عسكرية فحسب، بل باعتبارها منطقة رأى أن السيطرة عليها تخدم أهدافًا أمنية إسرائيلية.
كيف انتهت حرب السويس؟
اندلعت حرب السويس عام 1956 عقب قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، ثم شنت إسرائيل هجومها على سيناء وقطاع غزة، قبل أن تتدخل بريطانيا وفرنسا عسكريًا في إطار الأزمة.
ورغم التقدم العسكري للقوات المهاجمة، واجهت إسرائيل وبريطانيا وفرنسا ضغوطًا دولية متزايدة، خصوصًا من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ما أدى إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها القوات الإسرائيلية في تلك الحرب.
وثيقة تاريخية تتجاوز حدود الماضي
تكتسب الرسالة أهميتها من أنها تقدم شهادة على الطريقة التي دافعت بها شخصيات إسرائيلية بارزة عن حرب عام 1956، وتوضح كيف استُخدمت المخاوف الأمنية والحديث عن الهجمات المسلحة لتبرير قرارات عسكرية واسعة النطاق.
كما تبرز الوثيقة التداخل بين الحسابات الأمنية والأهداف المتعلقة بالأرض، خصوصًا في ما يتصل بسيناء وقطاع غزة، وتتيح فهمًا أعمق للسرديات التي استخدمتها القيادة الإسرائيلية آنذاك لتفسير الحرب أمام منتقديها.
ومع ذلك، فإن قراءة الرسالة في سياقها التاريخي تظل ضرورية للتمييز بين ما أورده بن تسفي بوصفه مبررات إسرائيلية للعملية، وبين الوقائع الأوسع المرتبطة بأزمة السويس وأهداف أطرافها المختلفة.
