المحامي علي أبوحبلة:
يشكل السادس والعشرون من تشرين الأول/أكتوبر، اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية، مناسبة وطنية لتجديد الاعتراف بدور المرأة في مسيرة النضال الوطني، وتضحياتها في الدفاع عن الأرض والهوية والكرامة الإنسانية، والتأكيد أن بناء الدولة الفلسطينية المستقلة لا يكتمل دون مشاركتها الفاعلة في مختلف المجالات. لقد كانت المرأة الفلسطينية، عبر تاريخ القضية، شريكة أصيلة في معركة الحرية والبقاء؛ فهي الأم والمربية، والمعلمة والطبيبة والعاملة والصحفية والأسيرة والمناضلة. وأسهمت في حماية الوعي الوطني، وتعزيز صمود المجتمع، والحفاظ على تماسك الأسرة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال والتهجير والحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وفي قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، تتحمل المرأة أعباء استثنائية جراء الحرب والدمار وفقدان الأحبة والنزوح وتراجع مقومات الحياة.
ومع ذلك، تواصل أداء دورها في رعاية الأسرة وإسناد المجتمع، لتؤكد أن صمود الفلسطينيين ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل إرادة حياة تتجسد في عطاء المرأة وقدرتها على مواجهة المحن. وقد أكد القرآن الكريم مبدأ الكرامة الإنسانية في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70)، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: 97). وهما دلالتان واضحتان على قيمة الإنسان والعمل الصالح، وعلى أن الكرامة والعطاء لا يُختزلان في جنس أو موقع اجتماعي. وفي السنة النبوية، جاء التوجيه الشريف: «استوصوا بالنساء خيرًا»، بما يحمله من دعوة إلى حسن المعاملة وصون الحقوق. وفي الفكر الإنساني، دافعت الفيلسوفة ماري وولستونكرافت عن حق المرأة في التعليم وتنمية قدراتها، فيما أبرزت تجارب المجتمعات أن تعليم المرأة وتمكينها ركيزتان أساسيتان للتقدم والاستقرار. إن الدفاع عن حقوق المرأة الفلسطينية لا يتعارض مع الهوية الدينية والوطنية للمجتمع، كما أن التمسك بالقيم لا ينبغي أن يكون مبررًا للانتقاص من حقوقها أو تعطيل مشاركتها. والمطلوب مقاربة متوازنة تصون الكرامة، وتضمن العدالة أمام القانون، وتكافح العنف والتمييز، وتكفل فرص التعليم والعمل والمشاركة السياسية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار، فإن النقاش بشأن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» يستوجب قراءة قانونية موضوعية، تميز بين نصوص الاتفاقية والتحفظات المعلنة وآليات التطبيق، وتناقش الالتزامات القانونية في ضوء المرجعيات الدستورية والدينية والاجتماعية، بعيدًا عن التعميم أو الأحكام المسبقة. فالحوار المسؤول هو السبيل إلى تعزيز التوافق المجتمعي وصيانة الحقوق والكرامة. ولا يكفي الاحتفاء بالمرأة في المناسبات الوطنية؛ بل ينبغي ترجمة هذا الاعتراف إلى سياسات عملية، تشمل حماية النساء من العنف، ودعم الأسر التي تعيلها النساء، وتوفير الرعاية للمتضررات من الحرب والتهجير، وتعزيز حضور المرأة في المؤسسات العامة والمجالس المنتخبة ومواقع صنع القرار على أساس الكفاءة والاستحقاق.
كما تقتضي المسؤولية الوطنية توجيه التحية إلى الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال، وإلى أمهات الشهداء والأسرى، وإلى النساء اللواتي فقدن بيوتهن وأحباءهن، وإلى كل امرأة تواصل أداء رسالتها في التعليم والصحة والعمل والإغاثة رغم قسوة الظروف. إن اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية ليس مناسبة للتكريم الرمزي فحسب، بل محطة لمراجعة السياسات وتأكيد الالتزام بالحقوق والواجبات. فالمرأة الفلسطينية ليست مجرد عنوان للصمود، بل شريك كامل في صياغة المشروع الوطني وبناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون. إن الحرية الوطنية لا تكتمل إلا بكرامة الإنسان، وكرامة فلسطين ومستقبلها يرتبطان بإنصاف المرأة، وصون حقوقها، وتوفير الفرص التي تمكّنها من مواصلة دورها شريكًا في النضال والبناء وصناعة المستقبل.
