من اجل إنسانية الإنسان

بسام صالح:

قد نستطيع القول إن مجتمعنا يشهد  أزمة عميقة في القيم التي يستند عليها أي مجتمع مدني. فكل يوم، نشهد ونسمع سياسيون من عديمي الضمير، اتخذوا من الانتهازية سمةً مميزة، لتسميم ينابيع النقاش العام، مُؤجّجين الكراهية والخوف والعنصرية. و خلق العداوات، وتُغذّى الانقسامات، حتى بين أبناء العشيرة أو الفصيل وتُداس كرامة الشعب على مذبح طموحات (اطماع)السلطة.

وفي الوقت نفسه، تتكشف أمام أعيننا ويلات الحرب. مدن تُسوّى بالأرض، وعائلات تُدمّر، وأطفال يُحرمون من طفولتهم ومستقبلهم. شعب يجبر على العيش تحت وطأة القصف، وعلى الفرار من الديار  ومن دفن الاحباء. إن مأساة الشعب الفلسطيني، والمعاناة التي لا تُوصف لأهل غزة، ودمار حياتهم و أراضيهم، والتي أصابت الضمير الانساني بجرح عميق . و جلبت الاحتلال ومسؤوليه أمام محكمة العدل الدولية بتهمة  الإبادة الجماعية،   ولا يسعنا إلا أن نبقى غير مبالين! 

وان كانت غزة مازالت تصرخ فإن الضفة الغربية تعاني وتبكي سرقة الأرض والشجر والإنسان، وحواجز الإغلاق التي شملت كافة مدننا وقرانا ومخيماتنا، وتهديدات النازيين الجدد بتصفية قضيتنا الفلسطينية، وهذا يحدث أيضا أمام سمع ونظر ما يسمى بالأسرة الدولية دون أن تحرك ساكنا لوقف الإبادة ومحاولات التهجير وتفكيك المجتمع الفلسطيني بينما شعوب العالم تتظاهر وتحتاج وتطالب بإنقاذ الفلسطينيين وحمايتهم. 

وتزداد اللامبالاة أيضا ألى جانب معاناة الفلسطيني  موت النساء والأطفال والرجال غرقا في مياه البحر الأبيض المتوسط، ذنبهم أنهم حاولوا البحث عن مكان فيه الحرية والأمان وفرصة لمستقبل أفضل لهم ولابنائهم.

لقد حاول المستعمرون قديما وحديثا، التلاعب بعقولنا لنقبل بان الحرب هي قدرنا المحتوم وان نتكيف مع الرعب والمعاناة وان نصبح مجرد أرقاما في احصائيات الموتى/ القتلى، المحفوظة في الارشيف.  وان أي تمرد على هذا الواقع الاستعماري المفروض سيواجه بالقمع الشديد من ديموقراطيات الاستعمار. فهل نستسلم؟

 لا يمكننا قبول أن تصبح قوة العنف لغة عصرنا، وأن تُطفئ اللامبالاة كل شعور بالتعاطف والتضامن. نحن بحاجة إلى إنسانية جديدة. إنسانية قادرة على إعادة الإنسان إلى مركز الاهتمام، بعيدا عن أي تميز بالعرق أو الدين و الاعتراف في الآخرين، حتى وإن اختلفوا عنا، بأنهم بشر مثلنا لهم الحقوق والكرامة والرغبة في الحياة. إنسانية قادرة على فتح العقول، لتحريرنا من الأحكام المسبقة، وضمائر، لإعادة إحساسنا بالمسؤولية، وقلوب، للحفاظ على قدرتنا على الشعور بمعاناة الآخرين كما لو كانت معاناتنا. إنسانية جديدة قادرة على مواجهة ثقافة الحرب بثقافة السلام، ومنطق القمع بالحوار، والخوف من الآخرين بالتضامن. إنسانية تُعلّم الأجيال الجديدة قيمة الذاكرة، واحترام الاختلافات، ومسؤولية حماية البيئة . لأن السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو العدل، والحرية، والمساواة واحترام حقوق الإنسان، وقدرة كل إنسان على العيش دون خوف.

 لهذا السبب، ورغم كل شيء، أواصل النضال الوطني من أجل حرية واستقلال فلسطين لخلق مجتمعا جديدا يساهم في بناء عالم جديد. سأواصل محاولة هدم جدار الأنانية وإزالة الأسلاك الشائكة التي تفصل بين البشر، ليس فقط على الحدود، بل في أفكارنا وقلوبنا أيضًا. سأواصل سرد روايتي الفلسطينية إلى جانب قصص العالم، الذي رغم الفظائع، لا يزال يعرف جمال اللفتات البسيطة: يد ممدودة، باب مفتوح، عناق، فعل تضامن، اختيار عدم غض الطرف. لفتات بسيطة، ربما هشة، لكنها قادرة على تذكيرنا بمن نحن، ومن يمكننا أن نصبح. إذا لم نتعلم كيف نعيش معًا، فإننا نخاطر بتسليم الأجيال القادمة عالمًا دمرته مخاوفنا وحروبنا وعجزنا عن الاعتراف ببعضنا البعض كإخوة وأخوات.

ولعل هذا هو التحدي الأكبر في عصرنا: إدراك أن إنقاذ البشرية ليس حلمًا، بل ضرورة. وأن منع نهاية العالم،  قبل أن يكون مهمة الأقوياء، هو مسؤولية تقع على عاتق كل واحد منا.

البوابة 24