غزة/ البوابة 24- صفاء كمال:
"طوابير المياه، طوابير الطعام، طوابير الخبز، طوابير الكابونة، طوابير لكل شيء ممكن أن يخطر ببالك". بهذه الكلمات اختصر الناشط وائل أبو عمر يوميات الغزيين، حيث لم يعد الحصول على الاحتياجات الأساسية مهمة عابرة، بل رحلة انتظار تتكرر كلما احتاجت العائلة إلى الماء أو الطعام أو الخبز.
خلف هذه الطوابير، تتراكم أزمة غذائية لا تقف عند نقص السلع، بل تمتد إلى ارتفاع أسعار المتاح منها، وتراجع المساعدات، وتقلّص قدرة العائلات النازحة على تدبير وجباتها. ومع استمرار القيود على دخول الإمدادات وفقدان آلاف الأسر مصادر دخلها، يعود الخوف من المجاعة إلى حياة سكان أنهكتهم الحرب والنزوح والحرمان.
ويتهم فلسطينيون وناشطون، الاحتلال الإسرائيلي، بتقييد تدفق المواد الغذائية الأساسية، في وقت تتصاعد فيه شكاوى من الاحتكار واستغلال حاجة الناس داخل الأسواق. وبين نقص المعروض وعجز المواطنين عن الشراء، تصبح الوجبة اليومية اختبارًا لقدرة الأسرة على الصمود.
غذاء شحيح.. وأسعار خارج القدرة
في الأسواق، لا يقتصر القلق على شح الخضراوات واللحوم والطحين، بل يشمل ارتفاع أسعار ما يتوفر منها إلى مستويات تفوق قدرة كثير من العائلات التي فقدت أعمالها ومنازلها، ويتحدث مواطنون عن تخزين بعض السلع والامتناع عن بيعها، ثم طرحها بأسعار مضاعفة، إلى جانب شكاوى من رفض التعامل بالعملات الورقية.. ممارسات تضاعف العبء على المستهلكين في وقت تتآكل فيه قدرتهم الشرائية.
وحذّر الصحفي إبراهيم مسلم من الانتقائية في إدخال البضائع، وكتب: "منذ أيام لم تدخل شاحنة واحدة محملة بالخضار أو أي صنف من المواد الغذائية إلى قطاع غزة. الاحتلال يعمل على إدخال الفحم والأعلاف والملابس والمنظفات فقط، ضمن سياسة هندسة المجاعة. منع إدخال الطعام نذير شؤم ينذر بكارثة حقيقية".
وتعكس هذه الشهادة مخاوف من أن تكون طبيعة السلع المتاحة وكمياتها بعيدة عن الاحتياجات الغذائية الفعلية للسكان. وفي المقابل، يضيف الاستغلال داخل الأسواق عبئًا آخر، فحتى حين تتوفر بعض المواد، قد لا تتمكن الأسر من شرائها.
ويقول الناشط يحيى حلس: "شبح المجاعة يعود مجددًا ليخيم على القطاع. الخضراوات والطحين بدأت تشهد شحًا واضحًا، وما يتوفر منهما يُباع بأسعار مرتفعة جدًا تفوق قدرة المواطنين على الشراء. لا تتركوا غزة للعدوان والجشع".
المساعدات تتقلص.. والجوع لا ينتظر
ولم تعد المخاوف مرتبطة بالأسواق وحدها، ففي 19 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعلن برنامج الأغذية العالمي اضطراره إلى خفض مساعداته في غزة بسبب نقص التمويل، ما سيحرم نحو نصف مليون شخص من الدعم الغذائي.
وتراجع عدد المستفيدين من نحو 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص شهريًا، فيما تقلصت الحصص الغذائية إلى النصف، وانخفض عدد الوجبات الساخنة التي يقدمها البرنامج يوميًا من 250 ألفًا إلى 150 ألف وجبة.
وتأتي هذه التخفيضات بينما يواجه نحو 1.4 مليون شخص، أي قرابة ثلثي سكان القطاع، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وفق بيانات البرنامج. كما أن نحو 200 ألف شخص يعيشون ظروفًا طارئة تستدعي تدخلًا غذائيًا فوريًا لتجنب الوفيات المرتبطة بالجوع.
وفي هذا السياق، عبّر الناشط عمر العطل عن مخاوفه من تزامن خفض المساعدات مع تقلص خدمات المطابخ الخيرية، قائلًا: "غزة أمام خطر تجدد المجاعة؛ المساعدات تتراجع، والمطابخ الخيرية تقلّص وجباتها، والنازحون يواجهون نقصًا متزايدًا في الغذاء. كونوا صوتًا للجائعين وانقلوا المعاناة للعالم".
ويكشف خفض المساعدات عن هشاشة الوضع الإنساني، ففقدان مورد غذائي تعتمد عليه الأسرة لا يمكن تعويضه بسهولة في سوق ترتفع فيها الأسعار، خصوصًا مع انعدام الدخل لدى قطاعات واسعة من السكان.
ويحتاج برنامج الأغذية العالمي إلى نحو 450 مليون دولار لمواصلة عملياته في غزة والضفة الغربية حتى مارس/آذار 2027، بعدما تراجعت موارده التمويلية بشدة.
وتشير بيانات البرنامج إلى أن أكثر من 80% من سكان غزة عاطلون عن العمل، فيما لا يحصل سوى طفل واحد من كل خمسة على غذاء متنوع بما يكفي. ويعني ذلك أن توفر الغذاء في بعض الأسواق لا يضمن قدرة الأسر على شرائه، ولا يضمن حصول الأطفال على تغذية كافية.
من طابور الخبز إلى طابور العلاج
ولا تنفصل أزمة الغذاء عن تراجع الخدمات الأساسية، فحين ينقص الغذاء، تزداد مخاطر سوء التغذية، وحين ينفد الوقود تتعطل خدمات حيوية، من ضخ المياه إلى تشغيل المرافق الصحية. وتواجه النساء الحوامل والأطفال والمرضى وكبار السن مخاطر مضاعفة، في ظل احتياجات صحية ومعيشية لا يمكن تأجيلها.
وفي منشور له، انتقد الدكتور منير البرش، المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة، الفجوة بين كثرة الهيئات والمنظمات الدولية واستمرار حرمان الأطفال من الطعام، وكتب: "لدينا وسطاء، ومجلس للسلام، ولجنة إدارية، ومجتمع دولي، وعالم حر، ومنظمات للطفولة وحقوق الإنسان… كل هذه الأسماء الكبيرة، وما زال طفل في غزة يبحث عن وجبة".
وأضاف: "على أهل غزة، فيما يبدو، أن يتفهموا ظروف العالم الصعبة؛ أن يؤجل المريض حاجته إلى العلاج، وأن يقنع الطفل جسده بالتوقف عن النمو، وأن تنتظر المعدة الفارغة انعقاد المؤتمر القادم. فالبيانات جاهزة، أما الخبز فما زال ينتظر التمويل".
وانتقد البرش واقعًا تُوثَّق فيه معاناة الأطفال والمرضى، من دون أن يضمن ذلك وصول الغذاء الكافي إليهم، قائلًا: "منظمة تعرف وزن الطفل الذي أنهكه الجوع، وأخرى توثق مرضه، وثالثة تسجل انتهاك حقوقه.. ثم يعود إلى خيمته حاملًا اعتراف الجميع بمأساته، دون طعام يكفيه".
وتتجاوز هذه المفارقة مسألة نقص التمويل إلى سؤال عن أثر الاستجابة الدولية على حياة الناس: ما قيمة توثيق الجوع إذا بقيت المساعدات غير كافية، وما جدوى التحذيرات إذا لم تتحول إلى غذاء يصل إلى العائلات الأكثر احتياجًا؟
"هندسة المجاعة".. تحذيرات تتجاوز المنصات
حجم الاحتياج تؤكده أيضًا بيانات الإغاثة الأممية. فقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن شركاء الاستجابة دعموا، خلال الفترة من 29 سبتمبر/أيلول إلى 12 أكتوبر/تشرين الأول، 101 مطبخ مجتمعي كان يجهز نحو 614 ألف وجبة مطبوخة يوميًا. كما تلقى أكثر من 286 ألف شخص طرودًا غذائية وطحينًا عبر 27 نقطة توزيع، فيما بلغ إنتاج الخبز المدعوم إنسانيًا نحو 280 طنًا يوميًا، وهو ما يغطي قرابة 33% من الاحتياجات المقدرة.
وتوضح هذه الأرقام أن الاستجابة الغذائية ما زالت قائمة، لكنها لا تعني أن الاحتياجات قد لُبّيت؛ إذ إن استمرار المطابخ والتوزيعات يتزامن مع نقص التمويل، واتساع انعدام الأمن الغذائي، وعجز كثير من الأسر عن شراء الغذاء المتنوع.
من جهته، دعا الناشط أمير العجلة إلى التحرك قبل تفاقم الأزمة، قائلًا: "لا ننتظر حتى تتساقط صور الجوعى في الطرقات. نكتب الآن قبل وقوع الفاجعة لتدارك المجاعة قبل أن تشتد. غزة تسارع الجوع وتستنزف بالقهر وارتفاع الأسعار".
كما حذرت وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة من توقف غالبية المخابز، وعزت ذلك إلى احتجاز الاحتلال شحنات الطحين ومنع إدخال الإمدادات والمستلزمات التشغيلية اللازمة، محذرة من اتساع انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والمرضى وكبار السن.
وفي المحصلة، تتداخل القيود المفروضة على دخول الإمدادات مع نقص التمويل الإنساني وغلاء الأسعار، لتضيق الخيارات أمام عائلات لا تملك دخلًا ثابتًا ولا بدائل آمنة لتأمين الغذاء. وفيما تتواصل التحذيرات من مخاطر تجدد المجاعة، يبقى الاختبار الحقيقي في ضمان دخول إمدادات كافية ومتنوعة ومنتظمة، واستمرار المساعدات، ومنع استغلال حاجة السكان.
ويختصر البرش المفارقة بقوله: "حين يصل بيان القلق قبل رغيف الخبز، ويصل الموت قبل المساعدة.. يصبح العالم كله حاضرًا في المشهد، وغائبًا عن إنسانيته".
