غزة/ البوابة 24- نور الدين صالح
في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زعموا أنه يُظهر إسقاط مروحيات إسرائيلية خلال الحرب على قطاع غزة. بدا المشهد مقنعًا للوهلة الأولى، وانتشر باعتباره توثيقًا لحدث ميداني، لكن تحققًا أجرته وكالة فرانس برس كشف أن المقطع مأخوذ من لعبة المحاكاة العسكرية «Arma 3»، وأن نسخة منه نُشرت على يوتيوب قبل اندلاع الحرب بأيام.
تكشف هذه الواقعة كيف يمكن لمقطع مصور أن يتحول، خلال وقت قصير، من محتوى متداول إلى رواية يصدقها الجمهور، رغم افتقاره إلى أساس واقعي. كما تطرح سؤالًا جوهريًا عن حدود الثقة بما تنقله الهواتف المحمولة، في زمن أصبح فيه كل شخص قادرًا على تصوير الأحداث ونشرها والوصول إلى جمهور واسع، من دون المرور بالضرورة عبر غرف الأخبار أو معايير التحقق الصحفي.
وفي قطاع غزة، اكتسبت هذه الظاهرة أهمية مضاعفة خلال الحرب، إذ أسهم المواطنون في نقل صور القصف والدمار وشهادات الناجين، خصوصًا في ظل صعوبات الوصول الميداني التي واجهت الصحفيين والمؤسسات الإعلامية. لكن اتساع دائرة النشر أوجد تحديًا موازيًا يتمثل في التمييز بين التوثيق الحقيقي والمحتوى المضلل، وبين شهادة المواطن والخبر الذي يستوفي شروط النشر المهني.
ويقول مدير وكالة "صفا" الإخبارية الصحفي محمد أبو قمر، إن المعلومات المضللة والمجتزأة انتشرت بصورة كبيرة مع اتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، موضحًا أن بعض المواطنين ينشرون محتوى بدافع التعاطف أو الرغبة في التأثير، فيما يفعل آخرون ذلك من دون معرفة حقيقية بمصدر المادة أو ظروف إنتاجها.
ويشير أبو قمر خلال حديثه مع "البوابة 24"، إلى تداول مقاطع مصورة من مناطق أخرى تشهد حروبًا باعتبارها مشاهد من فلسطين، ما يفرض على المؤسسات الإعلامية التحقق من المنشورات قبل اعتمادها في التغطية الإخبارية. ويؤكد أن وكالة "صفا" تستعين بأدوات البحث العكسي وتقنيات الذكاء الاصطناعي لفحص الصور والمقاطع، إلى جانب الرجوع إلى مراسليها في الميدان والاستفادة من خبرة الصحفيين في غرف الأخبار.
ويضيف أن ظهور الصور ومقاطع الفيديو المعدلة أو المولدة بالذكاء الاصطناعي زاد من تعقيد عملية التحقق، إذ يمكن أن تبدو بعض المواد مقنعة إلى درجة يصعب معها اكتشاف زيفها بمجرد المشاهدة. ولهذا، تعتمد الوكالة، بحسب قوله، على التعامل مع النشطاء والصحفيين المعروفين الذين يمتلكون سجلًا في نقل الأحداث، بدل الاعتماد على حسابات مجهولة المصدر.
وخلال الحرب، شكّل محتوى المواطنين والنشطاء مصدرًا مساعدًا للمؤسسات الإعلامية، خصوصًا مع صعوبات التنقل والتغطية الميدانية. لكن أبو قمر يوضح أن هذا المحتوى لا يحل محل المصادر المهنية، بل يساعد في نقل الأحداث وتوثيق الانتهاكات، مع ضرورة إخضاعه للتحقق قبل النشر.
وفي مشهد آخر، تداول مواطنون مقطع فيديو يُظهر انفجارات داخل منشأة طبية، مع منشورات تزعم أنه يوثق قصف مستشفيات في غزة. وخلص تحقق فرانس برس إلى أن الفيديو يعود إلى كاميرات مراقبة في منشأة طبية بمدينة حلب السورية تعرضت للقصف عام 2016، ولا يوثق أحداث الحرب في غزة.
جزء من المنظومة الإعلامية
إلى ذلك، يؤكد أستاذ الإعلام وتكنولوجيا الاتصال في الجامعة الإسلامية بغزة، الدكتور أمين وافي، أن صحافة المواطن أصبحت جزءًا لا يتجزأ من المنظومة الإعلامية المعاصرة، في ظل التحولات التكنولوجية التي أتاحت للأفراد إمكانات واسعة للتعبير عن آرائهم وتوثيق الأحداث ونقل المعلومات، بعد أن كان الإعلام التقليدي يتحكم بدرجة كبيرة في عملية النشر وتحديد ما يصل إلى الجمهور.
وأوضح وافي لـ "البوابة 24"، أن التحدي الأبرز يتمثل في غياب حارس البوابة الإعلامية والرقابة المهنية عن كثير من منصات التواصل الاجتماعي، حيث يستطيع أي شخص نشر الأخبار والصور والتعليقات دون المرور بآليات التحقق والتحرير المعتمدة في المؤسسات الصحفية.
ورأى أن مواجهة هذه الإشكالية تتطلب تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات قبل نشرها، والاستفادة من منصات التحقق المتخصصة وبرامج تتبع المحتوى وأدوات الذكاء الاصطناعي.
وشدد وافي على ضرورة التمييز بين المصادر المعروفة التي يمكن الرجوع إليها والتحقق من معلوماتها، والحسابات المجهولة أو الأفراد الذين قد ينشرون أخبارًا دون إدراك لحجم المسؤولية المترتبة على تداولها.
وبيّن أن صحافة المواطن، رغم ما يحيط بها من إشكاليات، تمتلك جوانب إيجابية بوصفها وسيلة تتيح للأفراد المشاركة في نقل الأحداث وتوسيع نطاق تداول المعلومات. غير أن الاستفادة منها، وفق وافي، تتطلب تعزيز الوعي بالخصوصية والحقوق والمسؤوليات الاجتماعية، والتمييز بين ما يجوز نشره وما ينبغي الامتناع عن نشره.
وشدد على أن المصداقية لا تُكتسب بكثرة النشر أو سرعة السبق الصحفي، بل بالتثبت من المعلومات واحترام الجمهور؛ فالخطأ الواحد قد يهدم رصيدًا طويلًا من الثقة.
عناصر فحص المحتوى
من جهته، يرى مستشار الإعلام الرقمي وأنظمة التأثير سائد حسونة، أن صحافة المواطن تؤدي دورًا مهمًا في توثيق الأحداث وإيصال الشهادات المباشرة، لا سيما عندما يتعذر وصول المؤسسات الإعلامية إلى موقع الحدث. لكنه يشدد على أنها ليست بديلًا عن الصحافة المهنية؛ فالمواطن يوفر المادة الأولية، بينما يمنحها التحقق والسياق قيمتها الإخبارية.
ويحدد حسونة خلال حديثه مع "البوابة 24"، ثلاثة عناصر رئيسية لفحص المحتوى، هي المصدر والسياق والدليل. ويبدأ التحقق، وفق رؤيته، بالوصول إلى الناشر الأصلي، والتأكد من زمان التصوير ومكانه، ثم مقارنة الادعاء بمصادر مستقلة. كما يساعد البحث العكسي عن الصور وفحص النسخة الكاملة للفيديو في كشف إعادة استخدام المواد أو اجتزائها.
ويحذر من أن صحة الصورة لا تعني بالضرورة صحة الرواية المرفقة بها؛ فقد يكون التسجيل أصليًا، لكن نشره في سياق مختلف يحوله إلى مادة مضللة. كذلك، قد يتسبب النشر في أضرار تتجاوز التضليل، مثل كشف هوية أشخاص أو مواقعهم، بما يهدد خصوصيتهم وسلامتهم، خصوصًا في بيئة الحرب.
ويؤكد حسونة أن مسؤولية الناشر لا تنتهي عند حدود نقل المحتوى، مشيرًا إلى أن عبارة "أنا فقط أنقل" لا تعفيه من المسؤولية الأخلاقية عن إعادة نشر المعلومات. ويشدد على أهمية حماية خصوصية الضحايا والأطفال، والفصل بين المعلومة والرأي، وتجنب الاجتزاء الذي يغير المعنى، وتصحيح الأخطاء بصورة واضحة.
من ناحيته، يؤكد المختص في الإعلام الاجتماعي سلطان جحا، أن صحافة المواطن أصبحت مصدرًا مهمًا للمعلومات، خصوصًا خلال الحروب، لما تؤديه من دور في نقل الأحداث من الميدان وتوثيق الانتهاكات التي قد يتعذر على الصحفيين الوصول إليها، محذرًا من أن سرعة النشر لا تعني بالضرورة دقة المعلومات.
وأوضح جحا لـ "البوابة 24"، أن المواطنين الذين ينقلون الأحداث يتحملون مسؤولية أخلاقية وإنسانية تفرض عليهم التحقق من المعلومات قبل نشرها، واحترام خصوصية الضحايا وكرامتهم، وتجنب التضليل والتهويل، لما قد تسببه المعلومات غير الدقيقة من ذعر أو تحريض.
وشدد على أن التحقق من المحتوى يبدأ بالعودة إلى مصدره الأصلي ومقارنته بمصادر مستقلة وموثوقة، إلى جانب فحص تاريخ تصوير الفيديوهات ومواقعها، واستخدام البحث العكسي عن الصور. ونبه إلى أن المحتوى الحقيقي قد يُوظف في سياق مضلل إذا أُرفق بتاريخ أو وصف غير صحيح.
وحذر جحا من مخاطر الشائعات وانتهاك الخصوصية وكشف مواقع المدنيين والصحفيين، مؤكدًا أن النشر غير المسؤول قد يفاقم التوترات المجتمعية ويؤثر في الرأي العام.
ودعا إلى تعزيز الوعي الإعلامي وثقافة التحقق والمساءلة، والالتزام بتحديد المصادر، وتجنب التحريض، وتصحيح الأخطاء بشفافية، والتمييز بين الوقائع المؤكدة والمعلومات غير المكتملة، مشددًا على أن مواجهة المخاطر لا تكون بإسكات المواطنين، بل بترسيخ المسؤولية والمصداقية في النشر.
وبين القدرة على نقل الحدث بسرعة، ومخاطر نشر روايات غير مؤكدة، تبدو صحافة المواطن في غزة أمام اختبار مستمر للمصداقية. فالمطلوب ليس إقصاء المواطنين عن التوثيق، بل تعزيز وعيهم وتدريبهم على النشر المسؤول، وتطوير التعاون بينهم وبين المؤسسات الإعلامية.
