محمود حمودة.. تسعة أعوام وأعباء تفوق طفولته

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة/ البوابة 24 - جمال موسى

لا يحتاج الطفل محمود حمودة، إلى منبه ليوقظه في الساعة السابعة صباحًا فأصوات إطلاق النار والقصف الإسرائيلي القريب من خيمة أسرته في مخيم حلاوة شرقي جباليا البلد شمالي قطاع غزة، كثيرًا ما تقطع نومه فيما يوقظه نباح الكلاب الضالة وحركة الجرذان التي تتسلل أحيانًا إلى الخيمة فينهض مفزوعًا بحثًا عن حضن أمه.

في التاسعة من عمره، يبدأ حمودة، يومه الدراسي بعد ليلة مثقلة بالخوف وقلة النوم، يغسل وجهه ويرتدي ملابسه ثم يعانق والدته "ميساء" ويجهز حقيبته المدرسية استعدادًا للذهاب إلى المدرسة.

ويقول بصوت خافت لمراسلنا: "خفت الليلة الماضية من أصوات إطلاق النار والقصف ونباح الكلاب الضالة فذهبت إلى أمي وعانقتها ونمت في حضنها وفي الصباح جهزت حقيبتي وذهبت إلى المدرسة".

وعلى مدار أسبوع من المعايشة، تتكرر تفاصيل يومه بين خيمة لا توفر الهدوء الكافي للنوم والمذاكرة ومدرسة يحاول فيها استدراك ما فاته من دروس وطريق تقطع أصوات إطلاق النار خلاله لحظات لعبه مع أقرانه فتدفعهم إلى الركض بحثًا عن مأوى.

من الخيمة إلى الصف

بعد تجهيز حقيبته، ينطلق حمودة، مع أطفال من مخيم "حلاوة" سيرًا على الأقدام نحو مدرسة الزرقاء القريبة، يتبادلون الأحاديث والضحكات لكن أصوات إطلاق النار تقطع حديثهم فيبحثون عن مكان يحتمون فيه بين الخيام قبل مواصلة الطريق مسرعين.

وعند وصولهم للمدرسة يصطف الطلبة في الساحة الرملية ويؤدون بعض التمارين الرياضية ثم يتوجهون إلى فصول أُنشئت من الخشب والبلاستيك المقوى لتوفير بديل تعليمي بعد تدمير المدارس ونزوح آلاف العائلات.

داخل الصف، يتلقى حمودة، وزملاؤه ثلاث حصص يوميًا تركز على مراجعة الدروس التي فاتهم تعلمها خلال الانقطاع الطويل عن الدراسة وفق خطط تهدف إلى معالجة الفاقد التعليمي.

ويدرس "محمود" اللغة العربية والعلوم العامة والرياضيات، لكنه يجد صعوبة في تعلم الإنجليزية، ويحتاج إلى من يشرح له الدروس ويساعده على مراجعتها، وبعد انتهاء الدوام يعود إلى خيمته حيث لا يجد مكانًا هادئًا للمذاكرة أو شخصًا يتابع واجباته بانتظام.

ويجلس أحيانًا ليقلب صفحات دفتره محاولًا حل واجباته لكنه سرعان ما يغلقه وينطلق للعب مع أقرانه في ظل غياب من يشرح له ما استعصى عليه.

وقبل استشهاد شقيقته "مريم" كانت تساعده على الدراسة ومراجعة دروسه وتعليمه القراءة والكتابة، وفق قوله، لكن فقدانها حرمه من المساندة التي كان يعتمد عليها، كما ينشغل أحيانًا بتعبئة جالونات المياه ومساعدة أسرته في احتياجاتها اليومية، على حساب وقته المخصص للدراسة واللعب.

ليالٍ مثقلة بالفقد

لا يمكن فصل يوم "محمود" الدراسي عن معاناة أسرته التي فقدت أفرادًا منها ودُمّر منزلها، ففي يوليو/ تموز 2025 قصف المنزل الذي كانت تقيم فيه الأسرة ما أدى إلى استشهاد شقيقته مريم (25 عامًا) وشقيقه أحمد (17 عامًا) فيما لا يزال شقيقه حسن (23 عامًا) مفقودًا منذ 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بعدما توجه جنوب القطاع خلال رحلة نزوح عبر شارع صلاح الدين.

وتقول والدته ميساء حمودة لمراسلنا: إن ابنها لم يعد ينام كما كان قبل قصف المنزل إذ يلتصق بها ويحتضنها بقوة كلما سمع أصوات القصف أو إطلاق النار أو نباح الكلاب الضالة، وفي بعض الليالي يظل مستيقظًا حتى الصباح ثم يتوجه إلى المدرسة من دون الحصول على قسط كافٍ من النوم.

وتوضح حمودة، أن الكلاب والجرذان تتسلل أحيانًا إلى الخيمة فيما تزيد الحرارة المرتفعة صعوبة العيش داخلها ما يحرم طفلها من الراحة ويؤثر في قدرته على التركيز.

ولا يتوقف الخوف عند مكان الإقامة فالمدرسة نفسها تواجه مخاطر بسبب قربها من مواقع تمركز قوات الاحتلال الإسرائيلي.

ففي الأربعاء 15 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، أُصيب أحد أفراد طاقم المدرسة إصابة طفيفة بشظية رصاصة أطلقتها القوات المتمركزة شرقي المنطقة، ما أثار الهلع بين الطلبة والعاملين.

وترى الأم أن قرب المدرسة من المنطقة المحاذية لما يُعرف بـ"الخط الأصفر" يجعل طريق أبنائها إلى التعليم محفوفًا بالمخاطر في وقت يحتاج فيه "محمود" ورفاقه إلى بيئة آمنة تساعدهم على التعلم.

أم تتمنى تفوق ابنها

تحاول "ميساء" متابعة دراسة ابنها لكنها لا تجيد القراءة والكتابة ولا تملك الإمكانات التي تسمح لها بشرح الدروس ومراجعة الواجبات كما تعجز عن تحمل تكاليف مدرس خصوصي بصورة منتظمة.

وتقول: إن ابنتها مريم، كانت تتابع دراسة شقيقها الأصغر وتساعده على تعلم القراءة والكتابة لكن استشهادها أنهى هذه المساندة فيما يضطر شقيقاه "عمر وعلي" إلى العمل لتأمين احتياجات الأسرة.

وتضيف أن ابنها "محمود" يذهب أحيانًا إلى المدرسة من دون وجبة طعام أو مصروف شخصي أو قرطاسية كافية ما يدفعه في بعض الأحيان إلى رفض الذهاب إليها.

وتلفت إلى أنها كانت قد حاولت إرساله إلى إحدى الجارات لتدريسه مقابل 30 شيقلًا لكنها اضطرت إلى التوقف بسبب عدم توافر المال، وفق قولها.

وتتمنى الأم أن يصبح ابنها من أوائل الطلبة لكنها تخشى تراجع مستواه خصوصًا أنه لا يجد من يراجع معه الدروس في المنزل.

كما ترى أن تقليص أيام الدراسة وغياب الاستقرار يصعّبان تثبيت المعلومات فيما تحول ظروف الأسرة دون توفير المساعدة التعليمية المنتظمة.

ولا تعرف لأم حمودة، تفاصيل الرزم التعليمية المختصرة المخصصة لتعويض الفاقد التعليمي، موضحة أن غياب من يشرح لابنها محتواها يحد من استفادته منها.

وتطالب الأم بحزن، بتوفير الأمان وإنهاء الحرب وتأمين الطعام والملابس والقرطاسية والمصروف المدرسي إلى جانب مكان آمن يستطيع فيه ابنها النوم والدراسة.

برامج علاجية

داخل المدرسة، تحاول المعلمة ولاء الجرجاوي، خريجة تخصص التربية الخاصة في جامعة القدس المفتوحة، مساعدة الطلبة الذين يعانون صعوبات التعلم وبطء التحصيل من خلال غرفة المصادر والبرامج المخصصة لتحديد جوانب الضعف ومعالجتها.

وتوضح الجرجاوي، لمراسلنا: أنها تعمل في المدرسة منذ أيلول/ سبتمبر الماضي، وتتابع طلبة يواجهون صعوبات في القراءة والكتابة والرياضيات، مشيرة إلى أن الحرب والنزوح وتدمير المدارس والانقطاع الطويل عن التعليم أدت إلى تراكم الفاقد التعليمي.

وتقول: إن الطلبة الذين يعانون بطء التعلم يحتاجون إلى خطط تناسب قدراتهم تُقسّم فيها المهمة الواحدة إلى خطوات صغيرة تتراوح بين أربع وسبع مهام بحسب طبيعة المهارة ومستوى الطالب.

وتعتمد على تقييمات في اللغة العربية والرياضيات تشمل التعرف إلى الحروف وقراءتها وتركيب الكلمات إلى جانب مهارات الحساب والجمع ثم توزع الطلبة على مجموعات وفق احتياجاتهم مستعينة بما توفر لديها من الألعاب والأناشيد والأنشطة الترفيهية لتسهيل التعلم.

وتشير إلى أن "محمود" خضع لاختبارات وحقق نتائج كاملة في بعض المهارات بما فيها مهارات متقدمة ما يبرز أهمية التمييز بين قدراته الفعلية والصعوبات التي تفرضها ظروفه الراهنة.

لكن هذه الجهود تصطدم بنقص الإمكانات إذ تفتقر غرفة المصادر إلى أدوات وأنشطة تعليمية أساسية وطاولات وكراسٍ مناسبة وإضاءة وتجهيزات مساعدة فضلًا عن الحاجة إلى تهيئة أرضية المدرسة الرملية.

وتؤكد الجرجاوي، أن معالجة الفاقد التعليمي تتطلب توفير الوسائل اللازمة وتعاون الأسرة وانتظام الطلبة، مشددة على أن البرامج وحدها لا تكفي من دون بيئة مناسبة لتطبيقها ومتابعة نتائجها.

صفوف خشب وبلاستيك

من جهته، يقول مدير مدرسة الزرقاء رضوان اشتيوي: إن المدرسة تضم ستة صفوف أُنشئت من الخشب والبلاستيك المقوى وتستقبل نحو 450 طالبًا وطالبة من الصف التمهيدي حتى التاسع.

وتعمل المدرسة بنظام الفترتين الأولى من السابعة والنصف صباحًا حتى العاشرة والنصف والثانية من العاشرة والنصف حتى الواحدة والنصف ظهرًا، فيما تُخصص أيام السبت والاثنين والأربعاء للطلاب الذكور، والأحد والثلاثاء والخميس للطالبات، وفق ما قاله اشتيوي.

ويجلس الطلبة على مقاعد خشبية أمام طاولات بسيطة لكن الفصول لا توفر حماية كافية من حرارة الصيف أو برد الشتاء كما تتسرب المياه إليها خلال الأيام الماطرة.

ويشير اشتيوي، إلى أن قرب المدرسة من المنطقة المحاذية لما يُعرف بـ"الخط الأصفر" على مسافة تقارب كيلومترًا واحدًا يثير مخاوف الأهالي ويؤثر في إقبال الطلبة على الدراسة.

ويؤكد أن الحرب والانقطاع عن التعليم خلفا فاقدًا تعليميًا كبيرًا، موضحًا أن المدرسة تطبق برامج التعليم المسرّع ومعالجة الفاقد التعليمي والرزم التعليمية إلى جانب برامج التربية الخاصة وتستعين بالتعليم الإلكتروني حيثما أمكن.

حق في التعليم

مع نهاية اليوم الدراسي، يعود حمودة، إلى الخيمة التي غادرها صباحًا حاملًا حقيبته ودفاتره لكنه لا يجد دائمًا من يساعده على مراجعة دروسه، ويقلب صفحات كتابه محاولًا استعادة ما تعلمه قبل أن يغلقه وينصرف إلى اللعب أو مساعدة أسرته.

وعلى امتداد أسبوع المعايشة، بدت المدرسة محطة أساسية في حياة الطفل لكنها لم تكن كافية وحدها لتعويض ما فاته من تعليم أو توفير الاستقرار الذي يحتاج إليه.

فبين خوف الليل وحرارة النهار وضيق الخيمة وغياب المساندة المنزلية يواجه الطفل حمودة، صعوبة في تثبيت المعلومات ومواصلة التعلم.

وتكشف تجربته أن استعادة التعليم في قطاع غزة، لا تقتصر على توفير الصفوف والرزم التعليمية المختصرة بل تحتاج إلى بيئة آمنة ودعم نفسي ووسائل تعليمية ملائمة إلى جانب متابعة أسرية أو بدائل عنها حتى لا يتحول الفاقد التعليمي إلى فجوة يصعب تعويضها.

وبالنسبة إلى الطالب حمودة، يبدأ الطريق إلى المدرسة كل صباح من خيمة لا تمنحه الهدوء الكافي للنوم أو الدراسة ولا ينتهي عند مغادرة الصف إذ يظل عليه في كثير من الأحيان أن يواجه وحده ما لم يتمكن من فهمه أو حفظه.
 

البوابة 24