المحامي علي أبو حبلة:
لم تعد الأزمة المالية الفلسطينية مجرد عجز في الموازنة أو تأخر في صرف الرواتب، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية متشعبة، يدفع المواطن الفلسطيني ثمنها من دخله ومعيشته وقدرته على الاستمرار. فاستمرار الرواتب المنقوصة، وتراكم المستحقات، وارتفاع الضرائب والأسعار والرسوم، وتراجع الخدمات، واللجوء إلى الاقتراض وتدوير الديون، كلها مؤشرات على أن الأزمة تجاوزت حدود الخزينة العامة وأصبحت تهدد القدرة الاقتصادية للمجتمع بأكمله. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح: هل يستطيع المواطن الفلسطيني تحمل مديونية الحكومة وعجزها المالي إلى أجل غير معلوم؟ وهل يجوز أن يتحول الموظف والمواطن والقطاع الخاص إلى ممولين غير معلنين للخزينة، فيما تتراجع قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية؟ اليونان درس في مخاطر تحميل المجتمع كلفة الأزمة تقدم التجربة اليونانية، التي واجهت أزمة ديون سيادية حادة منذ عام 2010، درساً اقتصادياً مهماً في عواقب التقشف عندما يتجاوز قدرة المجتمع على الاحتمال. فقد شهدت اليونان تخفيضات واسعة في الأجور والمعاشات، وارتفاعاً في الضرائب والبطالة، وانكماشاً في القدرة الشرائية، وتراجعاً في مستويات المعيشة. وارتفعت البطالة من نحو 13.5% عام 2010 إلى 27.5% عام 2013، وفق بيانات أوروبية. ولم تكن معالجة الأزمة اليونانية سهلة أو سريعة، بل استغرقت سنوات من برامج التكيف المالي وإعادة الهيكلة والتمويل الخارجي، ورافقها ثمن اجتماعي واقتصادي باهظ. لكن المقارنة بين اليونان وفلسطين يجب أن تراعي اختلاف الظروف؛ فاليونان دولة ذات سيادة ومؤسسات مالية واقتصادية، بينما يعيش الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال، ويفتقر إلى السيطرة على الحدود والمعابر والموارد والسياسة النقدية المستقلة. ولذلك فإن قدرة المواطن الفلسطيني على تحمل إجراءات تقشفية إضافية أقل، في ظل البطالة والفقر وتراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة. إن الدرس الذي ينبغي استخلاصه ليس استنساخ التجربة اليونانية، بل تجنب تحويل الأزمة المالية إلى أزمة اجتماعية عميقة يصعب احتواء تداعياتها. مديونية تتسع.. والمجتمع يدفع الفاتورة تشير بيانات البنك الدولي في تقريره الاقتصادي الصادر في 19 أيار 2026 إلى أن الوضع المالي للسلطة الفلسطينية بلغ مستويات شديدة الهشاشة. فقد اقتربت إيرادات المقاصة المحتجزة من ستة مليارات دولار، وبلغت متأخرات الموظفين العموميين نحو 3.7 مليارات دولار، فيما وصلت متأخرات الموردين إلى 2.1 مليار دولار، وتجاوزت الالتزامات لصندوق التقاعد أربعة مليارات دولار. كما ارتفع الانكشاف المباشر للمصارف على السلطة إلى نحو 4.2 مليارات دولار في حزيران 2026، وأصبح الإقراض المرتبط بالقطاع العام يمثل نحو 45% من إجمالي الائتمان المصرفي. هذه المؤشرات تكشف أن الأزمة لم تعد محصورة في وزارة المالية، بل باتت تمس الاستقرار المصرفي والقطاع الخاص وقدرة المؤسسات على مواصلة تقديم خدماتها. والأخطر أن استمرار تراكم المتأخرات يعني عملياً نقل العجز من دفاتر الحكومة إلى ميزانيات الموظفين والموردين والمستشفيات وشركات الأدوية والمقاولين، وهو ما يضعف النشاط الاقتصادي ويقلص الاستثمارات وفرص العمل، ويعيد إنتاج العجز بصورة أكثر اتساعاً. الرواتب المنقوصة و«يبوس».. هل أصبح المطلوب تعايش المواطن مع الأزمة؟ إن صرف أجزاء من الرواتب، وتأجيل المستحقات، ثم إتاحة مبلغ 500 شيكل عبر تطبيق «يبوس» لتسديد بعض فواتير الخدمات من مستحقات الموظفين، لا يمكن اعتبارها معالجة جذرية لأزمة الرواتب. فالموظف يحتاج إلى راتب نقدي يستطيع من خلاله شراء الغذاء والدواء وتغطية التعليم والمواصلات والإيجار والالتزامات المصرفية، وليس إلى تدوير مستحقاته بين الجهات الخدمية. وقد تكون هذه الآلية وسيلة مساعدة لتسديد بعض الالتزامات، لكنها لا تعوض الدخل المفقود ولا تسدد كامل الحقوق المالية. ومن حق الموظف أن يعرف بصورة واضحة كيف تُحتسب هذه المبالغ، وما مصير مستحقاته، وكيف تتم التسوية مع الشركات المشاركة. إن تحويل الراتب المنقوص إلى واقع دائم، ومطالبة الموظف بالتكيف مع هذا الواقع، يهدد الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة، ويضعف الاستهلاك المحلي، ويزيد المديونية الشخصية والأسرية. الإصلاح المالي ليس خنقاً للمواطن لا بد من التمييز بين توصيات البنك الدولي المتعلقة بضبط الإنفاق وترشيد فاتورة الرواتب وتحسين الإيرادات، وبين السياسات والإجراءات التي تتخذها الحكومة لمعالجة عجزها. فالإصلاح المالي لا يعني بالضرورة رفع الأسعار والضرائب أو تقليص دخول الموظفين بصورة مستمرة. كما لا يجوز أن تتحول توصيات ترشيد الإنفاق إلى مبرر لتحميل الفئات محدودة الدخل كلفة الأزمة، دون مراجعة شاملة لأوجه الإنفاق العام والهدر والامتيازات والتعيينات غير المبررة. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالشفافية والمساءلة، وإعادة ترتيب الأولويات، وتطوير الإنتاج المحلي، وتوسيع القاعدة الاقتصادية، وضمان عدالة التحصيل الضريبي، وحماية الفئات الأكثر تضرراً. ولا يمكن مطالبة المواطن بتحمل أسعار وتكاليف معيشة مرتبطة إلى حد كبير بالاقتصاد الإسرائيلي، بينما يعيش بدخل فلسطيني أقل بكثير، وفي ظل قيود الاحتلال على الحركة والتجارة والإنتاج والسيطرة على الموارد. وهذا الاختلال المرتبط ببروتوكول باريس الاقتصادي يستدعي مراجعة وطنية جادة وخطة تدريجية للانفكاك الاقتصادي، لا مجرد إجراءات مالية مؤقتة. نقطة اللاعودة.. متى تتحول الأزمة المالية إلى أزمة مجتمع؟ إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الأزمة هو أن يفقد المواطن قدرته على التكيف مع الضغوط المتراكمة. فعندما يعجز الموظف عن الوفاء بالتزاماته المصرفية، ويعجز رب الأسرة عن توفير احتياجات أبنائه، وتتراجع قدرة التاجر على الاستمرار، ويواجه المستشفى نقصاً في الأدوية، ويصبح القطاع الخاص عاجزاً عن دفع رواتب العاملين، نكون أمام أزمة تتجاوز الحسابات المالية إلى تآكل مقومات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وهنا تبرز مخاطر الوصول إلى نقطة اللاعودة، ليس باعتبارها نتيجة حتمية، وإنما بوصفها تحذيراً من أن استمرار استنزاف القدرة الشرائية والسيولة والثقة قد يجعل التعافي أكثر صعوبة وكلفة. إن المطلوب برنامج إنقاذ مالي واقتصادي معلن، يتضمن جدولاً زمنياً لصرف الرواتب كاملة، وتسوية المستحقات المتراكمة، ونشر كشف موحد ومدقق للدين العام والالتزامات الحكومية، وحماية القطاع الصحي والتعليمي والإنتاجي، ومراجعة الإنفاق العام، والعمل دولياً وقانونياً لاستعادة أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة باعتبارها حقوقاً مالية فلسطينية وليست مساعدات أو منحاً. الخلاصة إن المواطن الفلسطيني ليس مسؤولاً وحده عن عجز الحكومة، ولا يجوز أن يتحول إلى الحلقة الأضعف التي تتحمل نتائج الاختلالات المالية والقيود الاقتصادية التي يفرضها الاحتلال. فالدولة ومؤسساتها لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الموازنة، وإنما بقدرتها على حماية حقوق مواطنيها وصون كرامتهم وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. إن صمود الشعب الفلسطيني لا يعني استنزاف قدرته على الاحتمال، والإصلاح المالي لا يعني فرض التقشف على الفقراء والموظفين، ولا يمكن بناء الاستقرار على رواتب منقوصة وديون متراكمة وضرائب متزايدة. فلا يجوز أن تتحول مديونية الحكومة إلى مديونية على المجتمع، ولا أن يصبح المواطن رهينة لعجز مالي مفتوح بلا سقف زمني أو أفق للحل. إن إنقاذ المالية العامة يبدأ بإنقاذ المواطن، وحماية قدرته على الحياة والعمل والإنتاج؛ لأن الوصول إلى نقطة الانهيار الاجتماعي والاقتصادي قد يكون أسهل بكثير من العودة منها.
