يعتزم رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، دافيد زيني، إخضاع عدد من قادة الأحزاب العربية للتحقيق بصفتهم مشتبهًا بهم تحت طائلة التحذير، ومن بينهم أحمد الطيبي ومنصور عباس وسامي أبو شحادة، وذلك على خلفية مزاعم بشأن وجود تدخل أجنبي في انتخابات الكنيست.
وأفاد تقرير إسرائيلي بأن زيني طلب تصنيف القضية برمتها، إلى جانب جميع المشتبه بهم فيها، باعتبارها من الجرائم الأمنية، بما يسمح للجهاز باستخدام صلاحيات تحقيق استثنائية، غير أن المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، رفضت طلبه، معتبرة أنه يتعارض مع القانون.
ووفقًا لما نشره موقع "واينت"، الثلاثاء، قدم زيني طلبه خلال اجتماع مغلق، داعيًا إلى تصنيف القضية بأكملها باعتبارها قضية أمنية، رغم أن بعض الشبهات محل التحقيق قد تصنف ضمن الجرائم الجنائية العادية.
وأوضح "التقرير" أن الغرض من هذا التصنيف كان إتاحة المجال أمام الشاباك لاستخدام صلاحياته الأمنية الموسعة منذ بدء التحقيق، بما يشمل التنصت، والحصول على بيانات الاتصالات، ومنع المشتبه بهم من لقاء محاميهم، دون اشتراط إثبات وجود شبهات أمنية بحق كل منهم بشكل منفصل.
غير أن بهاراف ميارا رفضت هذا التوجه، وقالت لزيني، بحسب التقرير: "طلبك غير قانوني"، مؤكدة أن استخدام وسائل التحقيق الأمنية الاستثنائية يستلزم توافر أدلة تبرر الاشتباه في ارتكاب جرائم أمنية.
وشددت بهاراف ميارا على أن بعض الشبهات، من بينها الرشى الانتخابية، قد تندرج ضمن الجرائم الجنائية العادية، ولا يمكن تصنيفها تلقائيًا باعتبارها جرائم أمنية لمجرد صلتها بالعملية الانتخابية.
وفي السياق ذاته، حذرت المستشارة القضائية، وفق مصادر مطلعة نقل عنها "واينت"، من أن استخدام الصلاحيات الأمنية دون سند قانوني قد يؤدي إلى رفض الأدلة التي يتم الحصول عليها بهذه الوسائل، بما يضعف إمكانية استخدامها للطعن في نتائج الانتخابات أو تقديم لوائح اتهام.
وفي المقابل، أوضحت لـ "زيني" أنها ستسمح باستخدام "جميع الوسائل التي يسمح بها القانون"، مشددة على أن اعتراضها لا يستهدف وقف التحقيق في الشبهات، وإنما يرتبط باستخدام صلاحيات استثنائية دون توافر أدلة قانونية تبرر ذلك.
خلاف على تصنيف القضية
ولم يقتصر الخلاف بين "زيني" والمستشارة القضائية على طلب تصنيف القضية، بل امتد إلى صياغة البيان المشترك الصادر الأحد، عقب اجتماع استمر ست ساعات بمشاركة رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ.
وطالب "زيني" بأن يتضمن البيان وصف القضية بأنها تتعلق بـ"شبهات جرائم أمنية"، وهو ما رفضته بهاراف ميارا، قبل أن يتدخل سولبرغ مقترحًا صيغة توافقية تشير إلى أن الشبهات "قد تنطوي على جانب أمني".
وتم اعتماد الصياغة المقترحة في البيان النهائي، الذي تحدث عن ظهور شبهات خطيرة تتعلق بتمويل من جهات خارجية بهدف التأثير في الانتخابات، مع احتمال وجود جانب أمني فيها، وأعلن تكليف الشاباك بالتحقيق وفقًا للقانون.
كما شدد "سولبرغ" في البيان على أن "الشبهات هي شبهات"، مؤكدًا أن الطعن في نتائج الانتخابات يتطلب أدلة راسخة.
وفي نهاية الاجتماع، ظهر سولبرغ وزيني وبهاراف ميارا والقائم بأعمال المدير العام للجنة الانتخابات المركزية، دين ليفنه، في بيان مصور مشترك، أكدوا خلاله أن إثبات هذه الشبهات، حتى في حال حدوثه، لا ينتقص من سلامة العملية الانتخابية ونتائجها بمجملها.
وأشار تقرير "واينت" إلى أن استخدام عبارة "بمجملها" جاء مقصودًا، إذ إن إثبات وقوع مخالفات قد يقود إلى إلغاء نتائج صندوق اقتراع بعينه، لكنه لا يعني إبطال العملية الانتخابية بأكملها.
الطيبي وعباس وأبو شحادة تحت التحقيق
وفي تطور متصل، كشفت قناة i24NEWS الإسرائيلية أن زيني طلب إخضاع أربعة سياسيين بارزين من الأحزاب العربية للتحقيق تحت طائلة التحذير، من بينهم رئيس العربية للتغيير أحمد الطيبي، ورئيس القائمة الموحدة منصور عباس، ورئيس التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة.
وأفاد "التقرير" أن الشخصية الرابعة عضو كنيست بارز لم يكشف عن هويته لأسباب قانونية، مشيرًا إلى وجود اتفاق واسع بشأن توافر أدلة مهمة بحقه، وإلى توقع استجوابه تحت طائلة التحذير.
وأكدت "القناة" أن المستشارة القضائية طلبت تقديم أدلة ضد أعضاء الكنيست قبل الموافقة على التحقيق معهم، إلا أن الشاباك لم يقدم حتى الآن الأدلة المطلوبة، باستثناء ما يتعلق بعضو الكنيست الذي لم يعلن اسمه.
ولفتت "القناة" إلى أن الاتفاق على تشكيل فريق تحقيق مشترك بين الشاباك والشرطة تم قبل يومين، لكن الجهاز لم يحل مواد التحقيق إلى الشرطة حتى موعد نشر التقرير، وهو ما حال دون بدء عمل الفريق المشترك حتى ذلك الوقت.
المستشارة تنفي عرقلة التحقيق
وفي رد منفصل على استفسارات صحافية، نفت بهاراف ميارا الاتهامات الموجهة إليها بعرقلة التحقيق، مؤكدة أن "الادعاء بأن النيابة العامة تعرقل تنفيذ إجراءات التحقيق كاذب".
وأشارت أنه جرت بالفعل الموافقة على إجراءات تحقيق مهمة بناءً على طلب الشاباك، لافتة إلى تشكيل فريق تحقيق مشترك بين الجهاز والشرطة، بمرافقة النيابة العامة، لمواصلة التحقيق في أسرع وقت ممكن.
كما شددت على أن "كل من ينبغي التحقيق معه، سيحقق معه".
وفي تعليق آخر أورده موقع "واينت"، أكد مكتب المستشارة القضائية تنفيذ عدد من إجراءات التحقيق بالفعل، مشيرًا إلى أن العمل يجري بمهنية ووفقًا للقانون، معربًا عن أسفه إزاء ما وصفه بـ"تسريبات مضللة ومغرضة".
كما سبق وتحدثت تقارير إسرائيلية عن طلب الشاباك التحقيق مع مساعدين برلمانيين من القائمة المشتركة، إلا أن المستشارة القضائية اشترطت الحصول على موافقتها المسبقة، باعتبار أن التحقيق يتصل بشبهات تحيط بأحد أعضاء الكنيست.
وبحسب هذه التقارير، طلبت بهاراف ميارا أولًا وضع أساس للشبهات المتعلقة بعضو الكنيست، قبل النظر في السماح باستجوابه ومساعديه البرلمانيين.
تحفظات داخل الشاباك
ولم يقتصر الاعتراض على توسيع نطاق التحقيق على المستشارة القضائية، إذ سبق أن كشفت هيئة البث الإسرائيلية "كان 11" عن وجود تحفظات داخل جهاز الشاباك نفسه بشأن الإجراءات التي طالب زيني باتخاذها.
وبحسب التقرير، عارض رئيس قسم ومسؤولان كبيران آخران داخل الجهاز طلب زيني استخدام وسائل تحقيق إضافية في الشبهات المتعلقة بالرشى الانتخابية، معتبرين أن نطاق الشبهات محدود، فضلًا عن وجود شكوك بشأن إمكانية جمع أدلة كافية لتأسيس اتهامات بارتكاب جرائم جنائية.
الليكود يهاجم المستشارة
وفي المقابل، طالب حزب الليكود المستشارة القضائية بوقف ما وصفه بـ"محاولات التستر والتأخير"، والكف عن تقييد عمل الشاباك، والسماح بإجراء تحقيقات مع أعضاء كنيست من الأحزاب العربية ومساعديهم البرلمانيين.
وأدعى الحزب أن بهاراف ميارا توسع نطاق الحصانة البرلمانية دون سند قانوني لتشمل المساعدين، متهمًا إياها بعرقلة التحقيق في شبهات تتعلق بالتمويل والتأثير الأجنبي على الانتخابات.
كما استند الليكود إلى تصريحات سولبرغ بشأن خطورة الشبهات، إلى جانب ادعاءات سبق أن طرحها رئيس حزب "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان، بشأن مصادر تمويل في السلطة الفلسطينية، دون أن يقدم بيان الحزب أدلة تثبت تورط النواب العرب أو مساعديهم في تدخل أجنبي بالانتخابات.
وسبق ذلك تحرك من منظمة "لافي" اليمينية، التي وجهت الإثنين طلبًا إلى المستشارة القضائية للموافقة بصورة عاجلة على التحقيق مع مساعدين برلمانيين وأعضاء كنيست، مهددة باللجوء إلى القضاء إذا لم تتلق استجابة خلال فترة معقولة.
واستندت المنظمة إلى أحكام سابقة للمحكمة العليا الإسرائيلية، تشير إلى أن الحصانة الإجرائية لأعضاء الكنيست لا تحول دون التحقيق الجنائي معهم، معتبرة أن اشتراط موافقة المستشارة يمثل توسعًا غير مبرر في نطاق الحصانة.
وفي السياق ذاته، طالب حزب "الصهيونية الدينية" بإبعاد المستشارة القضائية عن جميع الإجراءات المرتبطة بالتحقيق، داعيًا رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي سولبرغ، إلى إصدار توجيه فوري بهذا الشأن.
وقال الحزب إنه "إذا كان رئيس الشاباك يدعي بالفعل أن بهاراف ميارا تعرقل تحقيقًا يقع في صميم الديمقراطية الإسرائيلية، فإن الأمر يشكل زلزالًا"، متهمًا إياها بمحاولة تعطيل التحقيق، ومقارنًا ما وصفه بتصرفاتها بدورها في التحقيق المتعلق بالمدعية العسكرية العامة السابقة.
كما دعا الحزب إلى مواصلة التحقيق حتى نهايته فيما وصفه بـ"العلاقة بين التنظيمات الإرهابية وكيان معادٍ وأعضاء الكنيست العرب"، باستخدام الصلاحيات المتاحة للشاباك، دون أن يتضمن بيانه أدلة تثبت وجود هذه العلاقة.
سولبرغ يرفض تأجيل النتائج
وتأتي هذه الخلافات بالتزامن مع مساعي حزب الليكود لتأخير إعلان النتائج النهائية للانتخابات، بعدما طالب لجنة الانتخابات المركزية بالاطلاع على نتائج التحقيق في شبهات التدخل الأجنبي قبل استكمال إجراءات اعتماد النتائج.
إلا أن "سولبرغ" رفض هذا الطلب، موضحًا أن الهيئة العامة للجنة الانتخابات المركزية، التي تضم ممثلي الأحزاب، لا تملك صلاحية منع نشر النتائج أو تأخير انعقاد الكنيست الجديدة.
وشدد "سولبرغ" على أن اختصاصات الهيئة تقتصر على المصادقة على احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد، ولا تمتد إلى إلغاء الأصوات أو تغيير نتائج الانتخابات، معتبرًا أن تفسير صلاحياتها بصورة تسمح بتعطيل إعلان النتائج يتعارض مع المبادئ الديمقراطية الأساسية.
ومن المقرر أن تسلم لجنة الانتخابات المركزية النتائج النهائية إلى الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، الأربعاء، بالتزامن مع انطلاق المشاورات الخاصة بتكليف أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة المقبلة.
وبحسب موقع "واينت"، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان ممثلو الليكود سيصوتون ضد اعتماد النتائج في خطوة احتجاجية، بينما أعلن حزب "عوتسما يهوديت" عزمه التصويت ضدها، دون أن يؤثر ذلك في الموعد المحدد لنشر النتائج.
والجدير بالذكر أن هذه التحركات جاءت في ظل حملة يقودها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحزب الليكود للتشكيك في نزاهة الانتخابات، مع التركيز بصورة خاصة على التصويت داخل المجتمع العربي.
