معركة الفيتو تشتعل في واشنطن.. حدود صلاحيات ترامب أمام الكونغرس

ترامب
ترامب

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب باللجوء إلى حق النقض (الفيتو) لإسقاط التشريعات التي يطرحها الديمقراطيون، خلال مقابلة أجراها الثلاثاء مع شبكة "سي بي إس"، لكن امتلاك الرئيس لهذه الصلاحية لا يمنحه الكلمة الأخيرة في واشنطن، إذ يستطيع الكونغرس تجاوز اعتراضه وفق ضوابط دستورية محددة.

وعلى الرغم من أن حق النقض يوفر لترامب أداة لوقف التشريعات التي يعارضها خصومه، فإنه لا يمنع إجراء تحقيقات برلمانية معه، ولا يسمح له بإجبار مجلس الشيوخ على تمرير ترشيحاته للمناصب، أو تأمين تمويل لا يوافق الكونغرس على تخصيصه

6 قيود تحد من سلاح الفيتو

وبينما يمنح الفيتو الرئيس فرصة لتعطيل القوانين، تظل هناك قيود تحد من استخدامه في معركة تمرير السياسات بين البيت الأبيض والمشرعين.

1. يعطل التشريع.. لكنه لا يفرض البديل

وبموجب الدستور الأميركي، يحق للرئيس رفض مشروع قانون أقره كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ثم إحالته مجددًا إلى المجلس الذي بدأ مناقشته، مع إرفاق أسباب اعتراضه عليه.

إلا أن هذه الصلاحية لا تخوله طرح تشريع بديل يحقق أهدافه أو إلزام الكونغرس بالموافقة على برنامجه السياسي، فالفيتو يتيح للرئيس منع إصدار قانون، لكنه لا يمنحه سلطة التشريع بشكل منفرد.

ولا تقتصر أهمية هذه الصلاحية على استخدامها بالفعل، إذ إن التلويح بالفيتو وحده قد يدفع أعضاء الكونغرس إلى تعديل مشروعات القوانين قبل إحالتها إلى البيت الأبيض، تجنبًا لرفض الرئيس التصديق عليها.

2. أغلبية الثلثين تستطيع تجاوزه

ولا ينهي اعتراض الرئيس المسار التشريعي عند استخدام الفيتو العادي، إذ يظل بإمكان الكونغرس تمرير المشروع وتحويله إلى قانون رغم رفضه، بشرط موافقة ثلثي الأعضاء المصوتين في كل من مجلسي النواب والشيوخ، مع توافر النصاب القانوني.

يصل عدد الأصوات اللازمة إلى 290 في مجلس النواب و67 في مجلس الشيوخ شريطة اكتمال تشكيل المجلسين ومشاركة جميع الأعضاء في عملية التصويت، وهذا يعني أن تجاوز الفيتو يتطلب أكثر من مجرد أغلبية بسيطة، كما يستلزم تأييد ثلثي الأعضاء في كلا المجلسين، وليس أحدهما فقط.

كما سبق أن واجه ترامب هذا الاحتمال عندما تمكن الكونغرس من تجاوز اعتراضه على قانون تفويض الدفاع للسنة المالية 2021، وصوت مجلس النواب لصالح تجاوز الفيتو بأغلبية 322 صوتاً مقابل 87، قبل أن يوافق مجلس الشيوخ على الخطوة بأغلبية 81 صوتاً مقابل 13، في الأول من يناير 2021.

3. لا يوقف التحقيقات أو إجراءات العزل

لا يحتاج الكونغرس إلى موافقة الرئيس لبدء التحقيقات أو عقد جلسات الاستماع البرلمانية، ما يعني أن ترامب لا يملك تعطيل هذه الإجراءات باستخدام حق النقض.

وقد تتمسك الإدارة الأميركية بسرية بعض المعلومات أو المراسلات، استناداً إلى ما يعرف بـ"الامتياز التنفيذي"، إلا أن هذا الإجراء يختلف عن استخدام حق النقض، فضلاً عن أن حدود هذه الصلاحية لا تزال موضع خلافات دستورية وقانونية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

كما لا يحق للرئيس نقض مسار عزله، فمجلس النواب يستطيع توجيه الاتهام إليه بأغلبية بسيطة، على أن يتولى مجلس الشيوخ محاكمته. ولا يصدر قرار الإدانة والعزل إلا بموافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين، وهي عملية لا تستلزم موافقة الرئيس أو الرجوع إليه.

4. لا يفرض التعيينات على مجلس الشيوخ

ولا يملك الرئيس استخدام الفيتو للاعتراض على قرارات مجلس الشيوخ المتعلقة بالتعيينات التي تستوجب موافقته، مثل اختيار قضاة المحكمة العليا والسفراء وشاغلي عدد من المناصب العليا.

وبناءً على ذلك، إذا رفض مجلس الشيوخ أحد المرشحين الذين يقدمهم الرئيس، أو امتنع عن اتخاذ إجراء للمصادقة على تعيينه، فلن يستطيع ترامب الاستعانة بحق النقض لتحويل هذا الرفض إلى موافقة.

وبذلك، تبقى صلاحية مجلس الشيوخ في فحص التعيينات وإقرارها مستقلة عن الخلاف التشريعي المتعلق باستخدام حق النقض.

5. لا يمنحه تمويلا رفضه الكونغرس

وفي السياق ذاته، تعتبر مسألة التمويل من أبرز المجالات التي تكشف حدود الصلاحيات الرئاسية؛ فرغم قدرة ترامب على رفض مشروع قانون للإنفاق، فإنه لا يستطيع الحصول على الاعتمادات المالية التي يريدها بمجرد استخدام الفيتو، إذ يتطلب سحب الأموال من الخزانة وجود اعتماد قانوني يجيز ذلك.

وهذا يعني أن رفض حزمة التمويل لا يترتب عليه إقرار الموازنة التي يطرحها الرئيس أو اعتبارها قانوناً نافذاً، فضلاً عن أنه لا يتيح له الإنفاق بلا حدود.

وعندما تنتهي الاعتمادات المالية المقررة من دون إقرار تمويل جديد، قد تضطر بعض الجهات الحكومية المتأثرة إلى وقف أنشطتها، باستثناء تلك التي ينص القانون على استمرارها. وقد تتطور هذه الحالة إلى أزمة إغلاق حكومي، بدلاً من تحقيق مكسب نهائي لأي طرف.

ولا يحق للرئيس كذلك حذف البنود التي يعترض عليها من مشروع قانون، مع الإبقاء على بقية مواده، عبر ما يعرف بـ"الفيتو الجزئي"، ففي عام 1998، قضت المحكمة العليا الأميركية بعدم دستورية القانون الذي كان يمنح الرئيس صلاحية إلغاء بنود محددة من التشريع بعد توقيعه.

وتنص القواعد الدستورية الخاصة بحق النقض على ضرورة اعتراض الرئيس على مشروع القانون في مجمله، ولا تمنحه صلاحية استبعاد مواد بعينها مع إقرار الأجزاء الأخرى.

6. مهلة محددة.. واستثناء بشروط

ولا يملك الرئيس دستورياً تأجيل حسم موقفه من مشروع القانون إلى أجل غير معلوم، حيث تنص القواعد على منحه عشرة أيام، باستثناء أيام الأحد، للبت في التشريع.

وإذا لم يوقع الرئيس مشروع القانون أو يعيده إلى الكونغرس خلال المهلة المحددة، يصبح قانوناً نافذاً دون الحاجة إلى توقيعه، إلا إذا كان انتهاء دورة انعقاد الكونغرس قد منعه من إعادته.

وفي الحالة الأخيرة، قد يسقط مشروع القانون بموجب آلية تعرف باسم "فيتو الجيب"، عندما يمتنع الرئيس عن توقيعه، ويرتبط تطبيق هذا الاستثناء بتعذر إعادة المشروع إلى الكونغرس بسبب انتهاء انعقاده، وليس بمجرد رغبة الرئيس في تأجيل حسم موقفه منه.

قوة تفاوض.. لا تفويض مفتوح

تكشف القيود الدستورية أن حق النقض يمنح ترامب نفوذاً سياسياً وتشريعياً مؤثراً، لكنه لا ينتقص من صلاحيات خصومه أو يحد من دور الكونغرس، فمع قدرة الرئيس على تعطيل مشروعات القوانين التي لا يوافق عليها، يحتفظ المشرعون بحق ممارسة الرقابة البرلمانية، والتحكم في اعتماد التمويل، ومراجعة التعيينات عبر مجلس الشيوخ.

وبناءً على ذلك، لا تعني هذه المواجهة بالضرورة انصياع أحد الطرفين للآخر، بل قد تفضي إلى مفاوضات أكثر تعقيداً، أو إلى تعطيل متبادل في حال تعذر التوصل إلى تفاهم بين البيت الأبيض والكونغرس.

ويتيح الفيتو لترامب منع خصومه من تمرير بعض سياساتهم، لكنه لا يمنحه وحده القدرة على ضمان اعتماد السياسات التي يسعى إلى تنفيذها.

سكاي نيوز