أعاد تصاعد التوتر بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، ملف المواجهة الإقليمية إلى الواجهة، مع تداخل الخلاف حول سد النهضة مع تداعيات الحرب السودانية، وسط تساؤلات بشأن احتمالات تحول التصعيد السياسي إلى مواجهة عسكرية واسعة.
ورصد تقرير لقناة "i24NEWS" الإسرائيلية تطورات الأزمة، في ظل تقارب القاهرة والخرطوم والتلويح باتفاقية الدفاع المشترك، مقابل تصاعد الخلافات بين السودان وإثيوبيا، محذراً من أن تداخل الملفات الأمنية والمائية قد يفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز حدود الدول الثلاث.
اتفاقية الدفاع المشترك تعود إلى الواجهة
وجاءت التطورات عقب اجتماع وزاري مصري سوداني أكد الترابط بين أمن البلدين، والاستعداد لاتخاذ الإجراءات التي يتيحها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك لحماية المصالح المشتركة، وزادت حدة التوتر بعدما أمهلت إثيوبيا ستة دبلوماسيين سودانيين 48 ساعة لمغادرة أراضيها، في خطوة عكست اتساع الخلافات بين الخرطوم وأديس أبابا.
وأعاد الحديث عن اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة عام 1976 طرح تساؤلات حول طبيعة الخيارات التي قد تلجأ إليها القاهرة والخرطوم، خاصة بعدما أكدت مصر أن أمن السودان جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأنها تتمسك بوحدة الأراضي السودانية وسلامتها.
هل تستعد مصر والسودان لمواجهة إثيوبيا؟
وبحسب التقرير الإسرائيلي، لا يرى محللون في تل أبيب أن استدعاء اتفاقية الدفاع المشترك يعني بالضرورة وجود قرار وشيك بالحرب، بل قد يكون وسيلة للضغط السياسي والأمني على إثيوبيا، وإرسال رسالة بأن القاهرة تملك خيارات متعددة إذا تعرضت مصالحها المائية والأمنية لتهديد مباشر.
وتكتسب هذه الرسائل أهمية خاصة مع استمرار الخلاف حول سد النهضة، الذي تعتبره مصر قضية تمس أمنها المائي والاستراتيجي، بينما تتمسك إثيوبيا بحقها في استغلال موارد النيل لأغراض التنمية.
ويشير التقرير إلى أن غياب اتفاق ملزم بشأن تشغيل السد وتبادل البيانات والمعلومات يبقي الخلاف مفتوحاً أمام احتمالات التصعيد، خصوصاً مع تزايد التداخل بين النزاع المائي والتنافس السياسي والعسكري في المنطقة.
كما يلفت إلى أن تحركات إثيوبيا لتعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع نفوذها الإقليمي، إلى جانب مساعيها للحصول على منفذ بحري دائم، تزيد من حساسية الحسابات الأمنية لدى القاهرة والخرطوم.
اتهامات سودانية تضع إثيوبيا تحت الضغط
وتزامن التقارب المصري السوداني مع اتهامات أطلقتها الخرطوم بشأن السماح باستخدام الأراضي الإثيوبية في هجمات تنفذها قوات الدعم السريع ضد مواقع تابعة للجيش السوداني ومنشآت مدنية، من بينها محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة.
وقدمت الحكومة السودانية شكاوى إلى مجلس الأمن ومؤسسات الاتحاد الأفريقي، متهمة إثيوبيا بتسهيل هجمات عبر الحدود، وهي اتهامات لم تثبت بصورة مستقلة، وسط نفي أو عدم تأكيد السلطات الإثيوبية لها.
ويرى مراقبون أن الحرب السودانية تجاوزت حدود المواجهة الداخلية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بعدما أصبحت مرتبطة بحسابات إقليمية وشبكات دعم عسكري ولوجستي تمتد إلى دول الجوار.

كما يتضمن المشهد اتهامات سودانية للإمارات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع عبر مسارات إقليمية، من بينها إثيوبيا وتشاد ومناطق نفوذ قوات خليفة حفتر في ليبيا، وهي اتهامات تمثل جزءاً من تعقيدات الصراع الإقليمي المحيط بالسودان.
لماذا يمثل السودان أهمية استراتيجية لمصر؟
وتتعامل القاهرة مع السودان باعتباره امتداداً استراتيجياً لأمنها القومي، بالنظر إلى الحدود المشتركة والارتباط المباشر بين البلدين في ملفات مياه النيل والبحر الأحمر وأمن المنطقة.
ومن هذا المنطلق، يمنح التنسيق مع الخرطوم مصر مساحة أوسع للتحرك في مواجهة التحديات المرتبطة بسد النهضة والنفوذ الإثيوبي، بينما يمثل الدعم المصري بالنسبة للسودان ورقة مهمة في مواجهة الضغوط الإقليمية والاتهامات المرتبطة بالحرب.
لكن التقرير يطرح تساؤلات بشأن طبيعة هذا التقارب، وما إذا كان يعكس تحالفاً استراتيجياً طويل الأمد، أم أنه تقاطع للمصالح فرضته التطورات الحالية والخلافات المشتركة مع أديس أبابا.
لماذا يستبعد محللون اندلاع حرب مباشرة؟
ورغم ارتفاع حدة الخطاب السياسي والأمني، يستبعد محللون إسرائيليون أن تتحول التهديدات الحالية سريعاً إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين مصر والسودان وإثيوبيا، بسبب التكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية الباهظة التي قد تترتب على حرب بهذا الحجم.
ويحذر هؤلاء من أن أي تدخل عسكري قد يدفع إثيوبيا إلى الاستعانة بتحالفاتها الإقليمية، بما يوسع دائرة الصراع ويجر أطرافاً أخرى إلى مواجهة يصعب احتواء تداعياتها، خصوصاً في ظل الأزمات الممتدة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
كما أن استمرار الحرب السودانية يضع الخرطوم أمام تحديات إضافية، في ظل استنزاف القوات وتضرر البنية التحتية وتفاقم الأوضاع الإنسانية، وهو ما يجعل أي تصعيد إقليمي أكثر خطورة على استقرار البلاد.
سد النهضة يتحول إلى جزء من معادلة إقليمية أوسع
ويخلص التقرير الإسرائيلي إلى أن أزمة سد النهضة لم تعد مجرد خلاف بشأن إدارة الموارد المائية، بل أصبحت مرتبطة بالحرب السودانية والتنافس على النفوذ الإقليمي والوجود في البحر الأحمر.
وبين التلويح باتفاقية الدفاع المشترك وتبادل الاتهامات بشأن التدخل في الحرب السودانية، تواجه القاهرة والخرطوم معادلة دقيقة تتمثل في زيادة الضغط على إثيوبيا وحماية المصالح المشتركة، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة قد تتجاوز تداعياتها حدود المنطقة.
