بقلم:د. أحمد هشام حلس*
جرائم الاحتلال الصهيوني تجاه قطاع غزة لا تتوقف عند الشهداء والجرحى فقط, فوجود آلاف المنازل والمباني والمنشآت المدمرة في كل مكان بين السكان في القطاع يعني توفير ظروف مناسبة لتفاقم أزمة انتشار الحشرات والميكروبات في القطاع الذي سيتحول إلى مستنقع كبير لنمو وتكاثر عدد هائل من مسببات وناقلات الأمراض خلال وقت قصير. العديد من الحشرات والميكروبات والحيوانات الضالة والقوارض والجرذان ستجد لها ملاذات ومواطن وبيئات مناسبة للغذاء والنمو والتكاثر ولتبني أعشاشها ومساكنها تحت ذلك الركام, كما أن تدمير آلاف الأمتار الطولية من خطوط وشبكات وتوصيلات التزود بمياه الشرب لكافة الأحياء السكنية المكتظة, واستهداف محطات تحلية مياه الشرب وتخريب وتحطيم هائل ومقصود وممنهج لشبكات الصرف الصحي ومحطات معالجة المياه العادمة ومضخات الرفع ينذر بكارثة بيئية حتمية متاخمة للسكان في القطاع, كما ان اطنان من النفايات الصلبة التي تراكمت وسط الاحياء السكنية بسبب صعوبة العمل خلال وقت الحرب ونتيجة تكدس اكثر من 120 الف نازح ونازحة داخل المدن الرئيسية بسبب القصف سيكون له تأثير كبير جدا تجاه الواقع الصحي برمته في القطاع, إضافة الى ان حرارة الصيف سيكون لها دور كبير في مفاقمة المشكلة.
ملايين الأطنان من الركام والكتل الإسمنتية التي نتجت جراء قصف وتدمير اكثر من 17 الف وحدة سكنية وتجارية كليا او جزئيا في القطاع, يعني الحاجة إلى الاف الرافعات والناقلات التي ستعمل على مدار شهور مقبلة في محاولة منها لتنظيف مناطق القصف, ناهيكم عن إعادة إعمار وبناء ما تم تدميره أصلا, كل ذلك يعني مزيد من التلوث البيئي المركز, للهواء والتربة والمياه, إضافة إلى التلوث بالضوضاء والتلوث البصري واستنزاف الموارد الشحيحة أصلا بشكل مكثف.
كما ان انقطاع التيار الكهربائي بسبب القصف العنيف واستهداف اعمدة وخطوط الكهرباء في كل مكان يعني زيادة تعقيد كافة التفاصيل البيئية التي ترتبط بالكهرباء, فتوقف محطات معالجة الصرف الصحي ومحطات تحلية مياه الشرب وانتشار مولدات الكهرباء المعتمدة على الوقود وغيرها من التحديات الخطيرة بيئيا سوف تتزايد بتسارع بسبب الحرب.
على الدوام كانت البيئة في الحروب هي الحلقة الأضعف والمستهدف المباشر والضحية الأكثر خسارة بين باقي الضحايا, فتضاف إلى قائمة المستهدفين الأبرياء في غزة جراء العدوان الصهيوني الهمجي والغاشم والفتاك البيئة بكل مكوناتها وعناصرها المختلفة, وبكل تفاصيلها الهشة أصلا, البيئة في غزة تعاني منذ سنوات وسنوات بسبب الحصار والحروب السابقة والاستنزاف الجائر والمفرط وغياب التطوير والتنمية الحقيقية, والان أصبحت الأمور اكثر تعقيدا, وسيتم على ضوء الوضع الجديد الغاء او تأجيل كافة خطط التنمية والتطوير السابقة ليحل محلها خطط الاستشفاء والإغاثة وإعادة التصليح والإعمار, ما يعني تراجع وتباطؤ هائل في التنمية والتطوير بعيدا عن النمو السكاني المتسارع والذي لا يتوقف.
ان ملايين الاطنان من الصواريخ والقنابل والمتفجرات التي تحتوي حتما ودون ادنى شك على العديد من المواد السامة والعناصر الثقيلة المسرطنة من قبيل التنجستين والكوبلت والنيكل والكادميوم وغيرها من المواد المحرمة دوليا قد القيت فعلا على القطاع خلال الحرب, لتلوث التربة الزراعية والمياه الجوفية والهواء المحيط بنا, كل تلك الملوثات نضرب بها على الدوام خلال حروب الاحتلال ضد غزة ثم نتحدث عن 16 الف حالة سرطان في القطاع؟؟؟
هذا الاحتلال الذي رفض وبشكل قاطع ومطلق منح بعثة تقصي الحقائق البيئية المختصة التي تم اقرارها من قبل الأمم المتحدة وقد وافقت في حينه على زيارة غزة وإجراء مسح ميداني بيئي كامل بعد الحرب مباشرة بناءا على طلب رسمي من قبل سلطة جودة البيئة في اعقاب حرب 2014 يضع نفسه أمام برهان مؤكد لا يقبل الشك على استخدامه أسلحة ومواد خطرة ومحرمة دوليا ضد القطاع.
تفاصيل بيئية هائلة لا يمكن سردها او استعراضها في مقال مختصر يهدف الى دق ناقوس الخطر, كما ان العديد من الدراسات العلمية المكثفة والشاملة والتي تحتاج إلى أجهزة ومعدات ومختبرات دولية متطورة يجب السعي وبشكل جاد وحقيقي لتنفيذها في غزة ليتم البناء على نتائجها في كافة الاتجاهات...
رحم الله الشهداء وشفى الجرحى والهم ذويهم الصبر والسلوان
*رئيس المعهد الوطني للبيئة والتنمية - غزة
